بروكار الشام: تحفة تغري الأجانب ويهملها أهل البلد

البروكار كان جزءاً من الطقوس لدى الدمشقيين حيث كانت كل فتاة في سن الزواج تشتري قطعتين إحداهما بيضاء لفستان الزفاف والأخرى ملونة

بروكار الشام: تحفة تغري الأجانب ويهملها أهل البلد
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

يكفي أن تسأل أي شخص يقطن بالقرب من سوق المهن اليدوية الكائن في التكية السليمانية،  حتى يقودك العشرات من سكان المنطقة إلى المحل الصغير الذي يختزل الكثير من تاريخ صناعة دمشقية عريقة، ويحتضن نول خشبياً يعوده عمره إلى أكثر من مئة وتسعين عاماً، باختصار هنا تتم صناعة البروكار الدمشقي الأصيل.

يعرفنا الشاب كنان طافش بالمحل الصغير بقوله "هنا عاصمة الثقافة الحقيقية، وهنا موطن البروكار الأم"، ويشعر بالفخر وهو يخبرنا بأن النول الذي يشغل الحيز الأكبر من المكان، هو أحد النولين الاثنين المتبقيين في الشام، بينما يوجد الآخر في مدرسة العظم.

المشغل الصغير الذي تعوده ملكيته لوزارة السياحة في سوق المهن اليدوية – أحد أجمل أسواق دمشق- يشغله السيد أحمد شكاكي الذي ناهز الستين من عمره، حيث ورث النول ومهنة صناعة البروكار من عائلته، لكنه لم يورثها لأحد من أبنائه، يساعده كنان الذي جذبه بداية رغبته في ممارسة الانكليزية حيث أغلب الزبائن من الأجانب، لكنه فيما بعد أتقن هذه المهنة بل "يعشقها" كما يقول.

البروكار هذا القماش الأنيق الباهظ الثمن، المصنوع من الحرير الطبيعي تدخله خيوط ذهبية وفضية، والذي اشتهرت به دمشق من أكثر من خمسة قرون، بات اليوم مهدداً من قبل البروكار الصناعي الذي غزا الأسواق حيث يخبرنا كنان الذي ينوب عن السيد شكاكي في إدارة المحل أثناء زيارته لفرنسة من أجل افتتاح فرع لهم هناك بدعوة من بعض الفرنسيين العاشقين لهذه الصناعة بأن دمشق كانت تحوي 300 نول وأكثر من 1500 عامل، بينما اليوم لم يتبقى منهم إلا ثلاثة عمال.

البروكار الموجود في مشغل شكاكي هو من اليدوي، بكافة الألوان والرسومات والسماكة، فهناك البروكار الناعم الخفيف المخصص للملابس، وهناك السميك الملائم للتنجيد، وهناك الشالات التي توضع على الأكتاف، وربطات العنق، والجزادين وغيرها.

مهنة أصيلة
يقول الشاب كنان تعلمت من المعلم شكاكي بأن صناعة البروكار هي علم بحد ذاته، والنول هو كمبيوتر حقيقي، حيث تحتاج كل رسمة إلى ضبط معين دقيق، فنحن نعتمد على الرياضيات والميكانيك.

أما عن أشهر نقوش البروكار المعروفة فهي الوردة الدمشقية، والعاشق والمعشوق التي استخدمت على القماش الذي تمت منه خياطة فستان زفاف ملكة بريطانية البزاييث الثانية عام 1947 والذي أهداه لها مصنع جورج نعسان أحد أقدم المشتغلين في البروكار اليدوي، كما تشتهر أيضاً نقوش صلاح الدين، السندباد، الراقصات، ولويس السادس عشر، الأرابيسك وغيرها الكثير.

ومن اللافت للنظر أن العامل في هذه المهنة لا يستطيع انجاز أكثر من متر قماش خلال يوم واحد، وأحياناً لا يتجاوز ما ينتجه 35 سم في اليوم في النقوش ذات الألوان السبعة، الأمر الذي ينعكس على سعر المتر الواحد من البروكار حيث تتراوح الأسعار بين 1500 ليرة سورية والخمسة آلاف، حيث تحظى هذه الأقمشة لدى الزبائن الأجانب بالحظوة والتقدير، فيعاملونها كتحفة فنية، ويقول كنان "البعض يأتي للفرجة لا للشراء، حيث يتأملون عملنا ويلتقطون الصور، وكأنهم في متحف".

كان زمان
تتداول الأحاديث الشائعة بأن البروكار كان جزءاً من الطقوس لدى الدمشقيين حيث كانت كل فتاة في سن الزواج تشتري قطعتين إحداهما بيضاء لفستان الزفاف والأخرى ملونة، لكن هذه العادة باتت اليوم مجرد ذكريات، ولم يتبقى من هذه المهنة إلا أصحاب النولين الوحيدين في العاصمة التي اشتهرت ببروكارها لكن يبدو أن آلات المعامل الحديثة قد طغت على حرفية العامل اليدوي في ظل عدم تقديم الدعم والرعاية من الجهات المعنية،وخصوصا من جهة التسويق أو الترويج الذي يقع بأكمله على عاتق أصحاب هذه المهن، الذين يحظون بالتكريم في البلاد الأجنبية كما رأينا في مشغل شكاكي الذي يعلق شهادة تقدير على الحائط حصل عليها من واشنطن إثر تكريمه في معرض طريق الحرير 2002، إضافة للكثير من الجوائز خلال زيارته لأكثر من أربعين دولة.
من الجدير بالذكر أنه للبروكار نقوش عدة منها "زهرة الكشمير، زهرة عمر الخيام، اللوزة الكردية، اللوزة الشامية، البندار (عبارة عن شال حريري مزخرف يلف على الخصر عند الدمشقيين القدماء)، والعصفوران اللذان يقبل أحدهما الآخر (العاشق والمعشوق) وهي النقشة التي اختارتها ملكة "بريطانيا" "اليزابيث"، والتي أصبحت تعرف لاحقاً باسمها حين قامت الحكومة السورية عام 1954 بإهدائها لها بمناسبة تتويجها كملكة، وهي من صنع السيد "قاسم الأيوبي"

نيوز سنتر - سيلفا كورية







المركز السوري للأخبار والدراسات



أضف تعليق