مستقبل أمريكا في سوريا إلى أين؟

بقلم: محمد زاهد جول

 مستقبل أمريكا في سوريا إلى أين؟
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  عزمه سحب قواته العسكرية من سوريا الشهر الماضي، خرج وزير الخارجية الروسي سيرجي لابروف ليقول بأن أمريكا غير جادة بسحب قواتها من سوريا، وأنها على العكس من ذلك تقوم بأعمال تؤدي إلى زيادة هذه القوات عدداً ونوعاً، وأن أمريكا قامت وتقوم ببناء قواعد عسكرية لها شمال شرق سوريا، بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية الكردية (قسد)، التي ترفع العلم الأمريكي أيضاً.
وكشفت مصادر أخرى أن أمريكا زودت تلك القوات الكردية بأسلحة تكفي لجيش قوامه ستون ألف مقاتل، بل ذهبت أمريكا لإحضار قوات عسكرية فرنسية لمشاركتها في الأعمال العسكرية شمال سوريا، والأدهى من ذلك أنها أدخلتها مدينة منبج غرب الفرات، في الوقت الذي تجري فيه امريكا ترتيبات لسحب المليشيات الكردية الإرهابية منها، بحسب تصريحات وزير الخارجية التركي جاويش أغلو قبل أيام.
فهل أن أمريكا لا تملك رؤية واضحة في سوريا، كما كان يقال أيام إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما؟ أم أن أمريكا تقع تحت ضغوط داخلية مختلفة بين الادارة الأمريكية السياسية في البيت الأبيض، والادارة الأمريكية العسكرية في البنتاغون؟
ما يقال الآن إن ترامب وهو يرغب بمغادرة سوريا عسكريا وتنفيذ وعده بالانسحاب، فإنه يعمل لإيجاد قوات بديلة للقوات الأمريكية، وقد بدأت بشائرها من القوات الفرنسية أولاً، وبدعوة قوات عربية ثانياً، فترامب يريد من الدول العربية أن ترسل قواتها العسكرية إلى سوريا لتحل مكان القوات الأمريكية، ومواصلة الجهود الأمريكية في محاربة «داعش» في الظاهر، بينما ستكون القوات العربية أمام مواجهة عسكرية مع القوات الإيرانية أولاً، وليس ما يمنع تطور مواجهتها مع التواجد العسكري الروسي في السيطرة على بعض المناطق ثانيا، وأخير ربما الصراع مع القوات التركية في شمال سوريا أيضاً.
إذن خطة ترامب عدم مغادرة سوريا، إلا بعد إيجاد القوات البديلة التي تنفذ الخطط الأمريكية، وتقدم الخسائر المادية والمالية والبشرية بدل القوات الأمريكية، بل وتشتري أسلحتها ودعمها السياسي من الإدارة الأمريكية أيضاً، أي أن أمريكا تخطط لتوسيع درجة الصراع في سوريا لتصل في النهاية إلى صراع عسكري بين الدول المتواجدة في سوريا بشكل مباشر، وحيث لا يسعى ترامب لمواجهة عسكرية مع روسيا في سوريا، لعدم وجود ضرورة لذلك، فإنه يسعى لجعل الصراع في سوريا صراعاً إقليمياً مباشراً، بين الدول العربية وإيران، وبدرجة اكثر وضوحاً بين إيران والسعودية، من دون ان تؤدي هذه المعارك إلى حسم الصراع في سوريا، بل إلى مزيد من الاقتتال والقتل والصراع والتدمير لمقدرات هذه الدول، وهذا من الوضوح بدرجة جعلت العديد من الدول العربية تعلن رفضها إرسال قواتها إلى سوريا، لأنها تدرك أن مهمة هذه القوات العربية في سوريا ستكون محاربة الميليشيات الإيرانية الفارسية والعربية والأفغانية وغيرها، وهذا كله تحت مخطط يسبق تقسيم سوريا، في حالة عجز هذه الدول باختلاف قومياتها وطوائفها الدينية حسم الصراع لصالحها وحدها فقط.
ومع ذلك فلو تمكنت أمريكا من تحقيق هذه الخطط على أرض الواقع، فإنها لن تتخلى عن قواعدها العسكرية التي تواصل بناءها في سوريا، وهي قواعد عسكرية كبيرة لا يمكن تصور تخليها عنها، بل لا يمكن تصديق أنها بنتها وهي تنوي التخلي عنها طواعية لمئات السنين، فالقواعد العسكرية الأمريكية في سوريا تعتبر ذات طبيعة ارتكازية ونقاط عسكرية متقدمة لدعم المعارك والمواجهات العسكرية التي تقودها الاستراتيجية الأمريكية في سوريا والمنطقة، بل يمكن ان تصبح بديلا محتملاً لقاعدة إنجيرليك في تركيا، وقامت أمريكا ببناء هذه القواعد في العام نفسه الذي أعلنت فيه روسيا تدخلها العسكري في سوريا في اكتوبر 2015.
وإذا أخذت تهم ترامب لسلفه الرئيس أوباما بتأسيس «داعش»، فإن البنتاغون يكون قد دعم وجود أو ظهور «داعش»، أو استغل وجودها لتبرير تواجد أمريكا وروسيا في سوريا، أي كأن التواجد العسكري الأمريكي والروسي في سوريا هو ضمن الاتفاقيات الدولية الكبرى بينهما في السنوات المقبلة، ولعل الضربات الأمريكية الأخيرة مع بريطانيا وفرنسا بعد مجزرة الكيماوي في دوما، يمثل دليلاً عملياً على ذلك، فأمريكا أخبرت روسيا بتاريخ الضربات ونوعيتها والأهداف التي سوف تشملها، ولذلك لم تحرك القوات الروسية ساكنا ضدها، وكذلك فعلت إيران، وأمريكا في الوقت نفسه لم تستهدف القوات الإيرانية ولا الروسية، والهدف منها إعلام الدول المحتلة أو المقاتلة في سوريا، بما فيها جيش الأسد، أن أمريكا وأوروبا جادة بتحمل مسؤوليتها وتنفيذ رؤيتها الاستراتيجية لمستقبل سوريا، فلا تساهل مع الدول التي تحاول أخذ أي مساحة أكثر من حصتها، أو فرض نفوذ أكثر مما يسمح له، سواء كانت إيران أو بشار الأسد او حزب الله اللبناني أو غيرها.
يبلغ التواجد العسكري الأمريكي في سوريا حتى أواخر ديسمبر 2017 ما يزيد عن ألفي جندي امريكي، وعبرت تقارير لشبكة بلومبرغ الأمريكية، عن رغبة مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق الجنرال هربرت مكماستر في إرسال 50 ألف جندي للعراق وسوريا، والانتشار العسكري الأمريكي في غالبه يتواجد في المنطقة الممتدة من «المبروكة» شمال غرب الحسكة إلى «التايهة» جنوب شرق منبج، وجلب أمريكا لقوات فرنسية لمنبج، يشير إلى رغبة أمريكية بعدم الانسحاب من منبج، ولا سحب المليشيات الكردية منها التابعة لحزب العمال الكردستاني باسم (ب ي د)، وتركيا لا تخفي موقفها بدعم الجيش السوري لاجتياح منبج، إذا لم تنفذ أمريكا تفاهماتها القديمة والجديدة بالانسحاب من منبج وتسليمها لسكانها الأصليين من العرب السوريين.
روسيا تدفع من ناحيتها لسحب القوات الأمريكية من سوريا والعراق، وهي لا تتحدث عن العراق علانية، وتترك ذلك للحكومة العراقية التابعة لإيران لمطالبة امريكا بالانسحاب من العراق، بينما تطلب روسيا علانية سحب أمريكا لقواتها من سوريا، وتعتبر تواجدها في سوريا غير قانوني، وروسيا هي أول من كشف عن بناء أمريكا لقواعد عسكرية في سوريا، ومنها: قاعدة رميلان التي تقع في مطار رميلان شرق مدينة القامشلي الحدودية مع العراق، وكانت من أوائل القواعد الأمريكية التي أنشئت في سوريا في أكتوبر 2015، وهي مؤهلة لاستقبال الطائرات الأمريكية وتؤوي جنودا وخبراء أمريكيين، وقاعدة المبروكة غرب مدينة القامشلي، وقاعدة خراب عشق غرب مدينة عين عيسى، وقاعدة عين عيسى وتقع شمال سوريا أيضا، وقاعدة عين عرب في ريف حلب الشمالي، وقاعدة تل بيدر شمال محافظة الحسكة والقامشلي، وهي بلدة حدودية، قاعدة تل أبيض على الحدود السورية التركية، ويرفع العلم الأمريكي فوق عدد من المباني الحكومية في تل أبيض، فهذه القواعد العسكرية الأمريكية شمال سوريا.
أما القواعد العسكرية الأمريكية التي توجد في الجنوب الشرقي لسوريا، فمنها قاعدة التنف، قرب الحدود مع العراق والأردن، وقاعدة الزكف تقع على بعد نحو 70 كيلومترا إلى الشمال الشرقي من التنف، ويقال إن امريكا أنشأت هذه القاعدة لمنع المليشيات الإيرانية  من التقدم من المنطقة الواقعة شمال التنف تجاه الحدود العراقية، ويقال إن أمريكا أغلقت هذه القاعدة بعد تفاهمات مع روسيا، وهذا يرجح أن التواجد العسكري الأمريكي والروسي في حالة تفاهم وتعاون في نشر قواتهما في سوريا المستباحة.
إن الأهداف الأمريكية المعنلة من تواجد قواعدها العسكرية في سوريا لا معنى له إلا عمل البنتاغون للبقاء في سوريا، بحجج عديدة وأهداف غير خافية، وقد اعلنتها السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي في حديث مع شبكة فوكس نيوز الأمريكية، وهي ثلاثة: وهي ضمان عدم استخدام الأسلحة الكيماوية أولاً، وهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» ثانيا، وضمان وجود نقطة مراقبة جيدة لمتابعة ما تقوم به إيران ثالثاً، وليس هناك من قدرة على إلزام أمريكا بتحقيقها أيا من هذه الأهداف في المستقبل إطلاقاً، وبالتالي فإن التواجد العسكري الأمريكي دائم في الرؤية الأمريكية، وكل ما يفعله ترامب بتصريحاته حول الانسحاب هو رفع الحرج عن نفسه، حيث كان من اهم شعاراته الانتخابية: أمريكا أولاً، وعدم إرسال قوات أمريكية للخارج إلا بمقابل مالي، وهذا ما يعلن عنه صراحة لدرجة تحرج أصدقاءه، أي أن امريكا بعهد الرئيس الملياردير ترامب لا تريد بيع الأسلحة للحروب التي تديم اشتعالها فقط، وإنما تريد توظيف جيشها في هذه الحروب ليكون مصدر دعم للخزينة الأمريكية أيضاً.


بقلم: محمد زاهد جول
نيوز سنتر - news center

Suriye Haber Merkezi#
المركز السوري للأخبار والدراسات
#أخبار_سوريا
#عربي_ دولي
#الأخبار_ برؤية مختلفة







المركز السوري للأخبار والدراسات - القدس العربي - محمد زاهد جول



أضف تعليق