تأثير الحروب على التلوث البيئي والحياة الانسانية في العراق 1991-2003م

بقلم: د. غازي فيصل حسين

تأثير الحروب على التلوث البيئي والحياة الانسانية في العراق 1991-2003م
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

بصورة عامة، تؤثر الحروب على البيئة:  التربة والماء وانبات والهواء، ومن هذه التأثيرات،‏ تدمير التربة، واضعاف خصوبتها ممّا يؤدّي إلى ضعف الإنتاجية، وهذا يُسبّب شحة في المواد الغذائية وانتشار المجاعات والفقر والأمراض. أن استخدام الأسلحة التقليدية وفوق التقليدية في الحروب، يؤدي إلى تلوث البيئة بالمواد الكيميائية ‏السامة والتي تنتقل إلى جسم الإنسان مباشرةً من خلال تناوله للغذاء الملوث.‏ كما تؤثر الحروب بشكل أساسي على الموارد المائية وذلك من خلال الأساطيل البحرية والغواصات التي تطلق الصواريخ من تحت الماء، التي تُسبّب تلوث المياه بالمواد الكيميائية والإشعاعات التي تضر بشكل أساسي بالبيئة ‏وبصحة الإنسان.‏ وللحروب تأثير خطير على الغلاف الجوي، حيث تؤدي المواد الكيميائية الناتجة عن الانفجارات إلى انبعاث الغازات المولدة للاحتباس الحراري مما يؤدي لارتفاع درجة حرارة الأرض واتساع فتحة الاوزون. ولا تقتصر الحروب على الأضرار البيئية بل تتعدّاها إلى انتشار الأمراض، واستنزاف الموارد البشرية والاقتصادية، وتدمير البنية التحتية للدول، وتشريد الناس. لذلك يجب بذل الجهود الدولية لمنع اندلاع الحرب والعمل لبناء السلام والأمن (1).
 
     لقد أثبتت البحوث والدراسات، ان ملوثات الهواء الاشعاعية بسبب الحرب الامريكية على العراق منذ عام 1991م وحتى بعد احتلال العراق عام 2003م، قد عرضت الانسان والبيئة لأضرار خطيرة خصوصاً التربة والماء والهواء، مما انعكس بأمراض وتشوهات واضطرابات على الانسان والحيوان والنبات. لذا تحاول هذه الورقة البحثية، عرض ومناقشة ما ولدته الحروب التكنولوجية والاليكترونية الحديثة، من آثار خطيرة ومدمرة على البيئة في العراق والخليج العربي والشرق الأوسط، بما تحويه من أسلحة بيولوجية وجرثومية بجانب اليورانيوم المنضّب ، وهو المعدن الكثيف للغاية، والمصنوع من النفايات المشعة، والذي يدخل ضمن استخدام المدرعات العسكرية الدفاعية والصواريخ والذخائر التقليدية، وله قدرة على اختراق دروع الدبابات بسهولة، يؤدي إلى تلف الكلى وسرطان الرئة، بالإضافة إلى التشوهات الخلقية للأطفال حديثي الولادة، وكذلك النساء الحوامل.

     كما ترصد هذه الورقة مدى تعرض البنية التحتية والصحة العامة للتدهور بسبب الحرب، لتعرض شبكات الكهرباء والماء والصرف الصحي للتدمير المنضم، مما يعرض التربة الزراعية إلى التدمير فيقل إنتاجها بسبب تسرب المواد المشعة التي تحتويها القنابل إلى التربة، ثم تصل إلى الإنسان عبر السلة الغذائية. وقد ظهرت بالفعل نتيجة ذلك حالات مرضية غامضة في العراق، أعقبت الحرب الأخيرة، ومن أبرزها التشوهات الخلقية والاعتلال العصبي وسرطان الدم والثدي والغدد اللمفاوية، كما أن وجود الألغام الأرضية قد يجعل مساحات واسعة من الأراضي المنتجة غير صالحة للزراعة.

     إن الواقع البيئي يتمحور حول ثلاث عناصر بيئية هي: الماء والهواء والتربة، وأي خلل في أحد أطراف هذا المثلث ينتج عنه خلل في دورة الحياة بحكم الترابط بينهما. وفي أحدث تقرير وثائقي لحقوق الإنسان في العراق: أن حوالي 90% من أجمالي سكان العراق لا يحصلون على احتياجاتهم من الماء الصالح للشرب كما يؤدي الهواء الملوث بسبب استمرار العمليات العسكرية في المدن والقرى إلى انخفاض كفاءة الجهاز المناعي لجسم الإنسان وانتشار مرض السرطان بمعدلات غير مسبوقة في الوقت الحاضر. كما خسر العراق قد 70% من محاصيله الحقلية بسبب الجفاف والتصحر وأسهم ذلك في توسيع معاناة الأنهار من انخفاض في معدلات المياه إذ انخفض الماء فيها بمعدل 45%، وتعرضت بعض الأنهار إلى ما يقرب الجفاف مثل نهري الخالص وديالى اللذين تعتمد عليهما الكثير من المناطق الزراعية. هذا وتقول الإحصاءات إن منسوب المياه في نهر دجلة حاليًّا يعتبر الأدنى منذ أكثر من 75 عاماً كاملة.

     لقد أفادت دراسة علمية أعدتها وزارة العلوم والتكنولوجيا في العراق، بأن 84 ألف طن من القنابل ألقيت على مساحة 4000 ميل مربع من جنوبي العراق، وأضافت أن 7 مليارات غالون من الوقود العسكري استخدمت في حرب عام 1991م إضافة لاستهلاك 900 مليون غالون للطائرات وحدها في تلك الحرب ناهيك عن حرب عام 2003م. ويوجد 25 مليون لغم أرضي مزروعة في العراق، وان الاسلحة الكيمياوية وذخائر اليورانيوم الممنضّب أدت الى وجود 15 موقع ملوث.

      لذا فمن الضروري البحث في العناصر المكونة للسياسة الخارجية الأمريكية، عبر الاعتماد على منهج التحليل السوسيولوجي، الذي يمكننا من إدراك الترابط بين مكونات الوعي الأمريكي في عصرنا الراهن، والآفاق المُستقبلية للسياسة الخارجية الأمريكية، التي ترتكز على استراتيجية الانتشار السريع والواسع للسيطرة على الحياة الدولية، سواء عبر نظرية ماهان، في السيطرة على البحار والمحيطات والمضايق، للتحكم في القارات، أو من خلال استغلال نتائج الثورة التكنولوجية الثالثة، لعسكرة الفضاء، والهيمنة على منظومة الاتصالات الدولية، وفق نظرية جاك أتالي، التي ترى: إن من يتحكم بقنوات الاتصال والمال والتكنولوجية في العالم، سيكون قادراً على التحكم بمستقبل ألعالم .

 1.    خصائص السياسية الخارجية الأمريكية

     تأسيساً على العرض الوارد في أعلاه، يرى زبيغنو بريجينيسكي،  في تحليله للسياسة الخارجية الأمريكية: ان أمريكا تعيش في فراغ من القيم والمعاير الأخلاقية، لذا لا يمكنها أن تكون نموذجاً عالمياً، لأن المجتمع الأمريكي يضم أقلية تتسم بالجشع المادي، وأغلبية معدمة اقتصادياً ومحرومة من المُشاركة الاجتماعية، يتجاوز عددها 35 مليون أمريكي، ومن خلال ذات المنطق تتجاهل واشنطن، المُشكلات الاقتصادية والسياسية والصحية والبيئية، التي يتعرض لها عالم الجنوب، لقد أكد بريجينيسكي: أن الموقف الأمريكي من المُشكلات الدولية:  "يثير قضية أخلاقية تدعو للقلق البالغ" (2).
     ويرى الجنرال برنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي الأمريكي عام 1990م أن: الشعب الأمريكي يؤمن بهدف العمل للوصول إلى نموذج المدينة المُشرقة الموجودة فوق التل، ليس من خللا قفزة واحدة بل من خلال الخطوة خطوة، وأن تكون هذه ألمدينة نموذجاً لشعوب ألعالم، هكذا يسود الاعتقاد في الولايات ألمتحدة الأمريكية، بأنها تُمثل الهدف الإنساني الأسمى على كوكب الأرض، وما على الدول والمجتمعات إلا القبول بالنموذج الأمريكي، ألذي تروج له مُختلف وسائل الدعاية والثقافة، والتبشير بالأفكار والمعتقدات الدينية، إلى جانب تكريس العلاقات التجارية والاقتصادية، وتقديم المساعدات للدول وفق شروط ترتبط بالمقاصد والأهداف الأمريكية، أي: أمركة ألعالم (3).

     لقد غيرت الأحداث العالمية بعمق التصورات الأمريكية على صعيد السياسية الخارجية، وادركت الإدارة الأمريكية أهمية السيطرة على التوازن في العلاقات الدولية، لضمان أمن النظام الرأسمالي الدولي. كما دفعت مرحلة العزلة والتمركز على الذات، إلى بلورة وهم أمريكي يقوم على الاعتقاد: بأن التطبيقات في السياسة الخارجية، مجرد خيارات تنطلق من حاجات داخلية. بناء عليه، استندت عقيدة مونرو على قاعدة، تُعطي للولايات المتحدة الحق باحتكار الدفاع عن الديمقراطية والحرية ونشرهما في العالم. لقد اعتمدت هذه السياسة، منذ عهد الرئيس جون كنيدي وحتى بيل كلينتون، على اعتقاد الرؤساء بأنهم يمثلون أكبر ديمقراطية في العالم، ورمز للإنسانية من أجل التقدم (4).

      لكن حقائق الواقع تشير: إن الصراعات بين الدول ألكبرى، للهيمنة على العالم خلال القرن العشرين، أدت لمقتل 175 مليون إنسان في حروب دموية، ذات دوافع إيديولوجية واقتصادية، كما استطاعت الولايات المتحدة، بفعل سيطرتها على 50% من الإنتاج العالمي، أن تلعب أدواراً هامة على الصعيد الدولي، بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً في مجال قيادتها لدول المنظومة الرأسمالية الغربية. لقد اعتمد حلفاء واشنطن على قدراتها العسكرية والاقتصادية، وعكست خطة مارشال رغبة الولايات المتحدة، في أمركة ألمجتمع والاقتصاد الأوربي، لضمان الاستقرار السياسي.

      كما نجحت الولايات المتحدة، انطلاقا من عقيدة ترومان، ببناء منظمة حلف شمال الأطلسي، لتحقيق التوازن بين الشرق والغرب، لكن الخلل في العلاقات بين الشمال والجنوب، بقي الطابع الذي ميَّز الحياة الدولية، ووسع من ظاهرة الهيمنة الأمريكية، الاقتصادية والسياسية والعسكرية، والاستحواذ على مناطق النفوذ والثروات والأسواق، مما شكل خللاً بنيوياً خطيراً في طبيعة العلاقات الدولية، عرض الأمن والاستقرار في العالم لتهديدات خطيرة، خصوصاً بعد انهيار ألشيوعية، ودخول العالم إلى مرحلة من الفوضى والإحباط وانتشار العنف، بدلا من توفير الضمانات الدولية من أجل الاستقرار الذي يوفر توسيع فرص التعاون والتنمية والعدل الاجتماعي . 

      الولايات المتحدة الأمريكية من جانبها، عدت أن جميع ما موجود من مصادر معدنية وثروات طبيعية في العالم، هي مصادر أمريكية، وإن "الحادث الجيولوجي العارض"، هو الذي وضع هذه الثروات خارج السيطرة الأمريكية، لذا وضعت الإدارة الأمريكية استراتيجية لحماية هذه ألمصادر، بوصفها مُلكية أمريكية، وتشجيع الاستثمارات الخاصة، وإتاحة الفرصة أمام الاستثمارات الرأسمالية الغربية لتحقيق الأرباح، عبر تركز الإدارة والقدرات الاقتصادية في الأطراف، بما يضمن تكاملها مع قوى الإنتاج ورأس المال في الدول الصناعية (5). وهذا ما دفع لظهور مدرستان في مجال الأمن القومي الأمريكي (6):

      المدرسة الواقعية، التي تتبنى فكرة مفادها: أن العالم يقوم أساسا على المصالح المتضاربة ويسوده التناحر، بغية تحقيق المصالح الأنانية للدول في المجتمع الدولي، أو مصالح الأفراد ضمن الدولة، أي ان القوه هي التي تصنع الحق، لذا يفترض تحقيق مصالح الدولة عبر الاستخدام العقلاني والكفء للقوة، كعنصر حاسم في السياسة الخارجية. بناء عليه، يفترض العمل على تركيز الجهود، لتوسيع القدرات العسكرية الأمريكية، لكي يتحقق التوازن في علاقات القوه العسكرية.

      المدرسة الأخلاقية أو المثالية، التي ترى: ان السياسة الخارجية القائمة على المبادئ الأخلاقية، تكون أكثر فعالية، لأنها تنمي الوحدة والتعاون الدولي، بدلا من التنافس والصراع. القوه الأخلاقية، إذاً، أكثر فعالية من القوة المادية، لأنها أكثر ثباتاً، وتستحوذ على عقول الأفراد وتكسب ولائهم للمبادئ التي تحكم العلاقات بين الأمم، وهذا ما يؤدي لبلورة مفهوم "المجتمع الدولي"، الذي يستند على مبدأ التعاون الدولي والقانون الدولي والمنظمة الدولية، كمعيار لتقييم سلوك الدول، ودورها في الحياة ألدولية. بناء عليه، يفترض العمل على تركيز الجهود، لزيادة التعاون بين الدول والأمم، لبناء نظام عالمي، عبر تقليل دور القوه في العلاقات الدولية إلى الحد الأدنى.

      إن التحليل الموجز لنمط التفكير الأمريكي، المبني على نظرية العنف  والعنف المضاد، كجزء من التراث الفكري في الوعي وفي بنية منظومة القيم الأمريكية، يبين أثر العزلة وخصائص التاريخ والجغرافية والمكونات الجيوسياسية، التي بلورت ظاهرة "التمركز على الذات"، مما انعكس بدوره على طبيعة السياستين الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية،فالإحساس بالتفوق دفع باستمرار للسيطرة على المناطق الاستراتيجية في العالم لضمان الأمن في الداخل، هكذا يولد العنف الأمريكي عنفاً مضاداً له، على صعيد العلاقات الدولية، مكرساً ظاهرة عدم الاستقرار التي تهدد الأمن والسلم العالمي .

      يطرح هنري كيسنجر، تصوراً آخر للسياسة الخارجية الأمريكية، يستند على الاعتقاد بأن: التحدي الذي يواجه الغرب، ليس بفعل قصور في قدراته ألذاتية، بل بسبب العجز الكامن في تصوراته السياسية عن العالم. لذا يؤكد هنري كيسنجر: ان أمريكا لا تستطيع بناء السلام الدولي، إلا من خلال مساعدة الدول النامية على تحقيق التطور والتحديث في العالم الثالث،خصوصاً في البلدان الآسيوية والإفريقية. بمعنى آخر: إن هدف الولايات المتحدة في بناء نظام دولي مستقر، يعكس المصالح الاستراتيجية لواشنطن، ويضمن الأمن والسلام للعالم الرأسمالي، من خلال تقديم المساعدات الاقتصادية للدول النامية،وتعزيز نظام المبادلات التجارية الدولية، وهذا ما يُشكل، وفق تصور الإدارة الأمريكية، مفتاحاً لرفاه الشعوب والمجتمعات في العالم (7).

      تنطلق وجهة النظر الأمريكية، من الادعاء بإتباع سياسة واقعية في الشئون ألدولية، تنادي بالإصلاحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والإيمان بجدلية الصراع بين ثنائية الخير والشر، على صعيد العلاقات بين الدول، أو في داخل المجتمعات. وتطرح واشنطن العديد من الأفكار، على صعيد القيم والمُثل: كحقوق الإنسان، والديمقراطية، والعدالة، والحريات الدينية، لكنها في الواقع، تطبق سياسات تتناقض مع هذه المبادئ، وتتبع استراتيجيات للمحافظة على المصالح الذاتية، في علاقاتها مع الدول النامية في مختلف القارات، كما ترتكب عبر الحروب التي تشنها على الدول والأمم، جرائم ضد الإنسانية، مما يُفقد السياسة الخارجية الأمريكية، الصدقية والموثوقية (8).

     لذا توصف السياسة الخارجية الأمريكية، بأنها سياسة عدمية، لأنها لا تتعامل بموضوعية مع حقائق ومُشكلات الحياة الدولية، ولا تهتم بالفروق الثقافية بين المجتمعات، بل تنطلق من مجموعة من التصورات والافتراضات، التي ترى في النموذج الأمريكي نموذجاً للخير المطلق، تدور في فلكه مجموعة الدول الصناعية الكبرى، والرأسماليات الطرفية في الدول الغنية بالموارد الطبيعية، التابعة للمركز الرأسمالي، إضافة للدول النفطية، أما بقية الدول فهي نموذجاً للشر المطلق، الذي يجب تدميره.

      إن تقسيم العالم، وفق إطار الصراع بين ثنائية الخير والشر، دفع الولايات المتحدة الأمريكية، لاستخدام القوة في العلاقات ألدولية، تحت ذريعة: حق الدفاع الذاتي المشروع عن النفس، وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، كما فعلت في غزوها لفيتنام ولبنما، أو هجومها المسلح الجوي على الجمهورية العربية الليبية، أو دعمها للمليشيات والعصابات المُسلحة في أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا وهايتي وأخيراً عدوانها الوحشي على جمهورية يوغسلافيا وتفكيكها وتحويلها لمجموعة من الجمهوريات العرقية والدينية، واحتلال أفغانستان والعراق في عام 2003م.

      يبدو للمتتبع للبحث في الشؤون الأمريكية، وجود تباينات عديدة في السياسة الخارجية الأمريكية، سواء على صعيد الأفكار أم في مجال التطبيق.  لقد طرح الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد انهيار النظم الشيوعية، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 23 أكتوبر 1990م، عدداً من أفكاره لبناء نظام دولي جديد، يقوم على الاعتراف بتعدد الثقافات والمصالح والقوى، مما يوجب على الدول، المُشاركة الجماعية في صيانة الأمن والسلم الدوليين، عبر الاحترام المتبادل بين الجميع،والعمل على تجنب الحروب والأزمات، واعتماد الأمم المتحدة أداةً لإحلال السلام وحل المنازعات. كما دعا الرئيس جورج بوش إلى نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان  (9).  لكن الواقع يُشير لعدم وجود نظام عالمي وفق المقاييس التي طرحت في مفهوم جورج بوش. " لأننا في عصر، وفق تصور محمد حسنين هيكل: توزعت فيه مراكز القوه التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية"، لذا "فأن القرن الواحد والعشرين يصعب أن يكون له ضابطاً واحداً.. كما لم يعرف التاريخ نظاماً للإدارة اليومية للعالم" (10).


      إن الإدارة الأمريكية اتبعت نهجاً جديداً، عبر الاستثمار الرأسمالي للجيوش الأمريكية، حيث حققت أرباحاً من حربها على العراق عام 1991م تقدر بـ 30 مليار دولار، لتغطية كلفة استخدام آلتها العسكرية. ولغرض تحقيق الأهداف الأمريكية،يفترض تحويل الشرق الأوسط إلى مجال حيوي تابع للسيطرة الأمريكية، عسكرياً واقتصادياُ وسياسياً واجتماعياً وثقافياً،والعمل على منع الدول النامية من الحصول على تكنولوجية عسكرية متطورة، وضمان بقاء أوربا حليفاً استراتيجيا للولايات المتحدة، لحماية مصالح الدول الصناعية ألكبرى في حال اندلاع الأزمات والحروب.


     لقد ذهبت الإدارة الأمريكية، خلال أزمة اجتياح القوات العراقية للكويت عام 1990م، نحو خيار الحرب مستبعدة الخيارات ألدبلوماسية، لقد أكدت مارغريت تاتشر، خلال لقائها مع يفغيني بريماكوف، قبل شن الحرب على العراق: على عدم قبول أي حل دبلوماسي، بل "يجب توجيه ضربة ساحقة للعراق، وتدمير جميع قدرات هذا البلد العسكرية وربما طاقاته الصناعية، ولا يجوز الحؤول دون تحقيق هذا الهدف، بل لا ينبغي لأحد أن يحاول تجنيب العراق الضربة اللازمة" (11)، بغية عزل العراق ومن ثم احتلاله، خارج الشرعية الدولية والقانون الدولي عام 2003م.

      كما وصفت الخارجية الأمريكية منطقة الشرق الأوسط، حيث يقع العراق في قلبها: بأنها مصدر خارق للقدرة الاستراتيجية لامتلاكها واحدة من أعظم الثروات التي عرفها تاريخ البشرية، فالشرق الأوسط، وفق وصف الرئيس دوايت أيزنهاور يعد "المنطقة الاستراتيجية الأكثر أهمية في العالم" (12)، على صعيد الاستثمارات المتعددة الجنسية، لامتلاكه ثروة البترول. لاحقاً، شدد الرئيس بيل كلينتون على: ضرورة إبقاء "التفوق النوعي العسكري لإسرائيل على خصومها المحتملين"، كما أكد على اهمية العمل لمنع انتشار أسلحة الدمار ألشامل في منطقة الشرق الأوسط (13)، باستثناء إسرائيل التي تمتلك أكثر من 200 رأس كتلوي، مما يمنع الدول العربية من ممارسة حق الدفاع الذاتي ألمشروع عن النفس، وتعريض الأمن القومي العربي، الاقتصادي والسياسي والعسكري، لمخاطر كبيرة.   

     لقد أظهر نموذج استراتيجية الحرب على العراق عام 1991م، ومن ثم فرض حضر اقتصادي وسياسي وعلمي شامل،عدم اكتراث الولايات المتحدة الأمريكية بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ثم قامت واشنطن بشن الحرب عام 2003م لاحتلال العراق خارج اطار الشرعية الدولية والقانون الدولي، مُستخدمة الأسلحة المحرمة دولياً، كاليورانيوم الناضب وغاز الخردل، كما عمدت إلى تدمير المنشآت المدنية والزراعية والصناعية، بما يتنافى ومواد القانون الدولي الإنساني، وميثاق الأمم المتحدة، ويتناقض مع المبادئ الدولية المعلنة، التي تشجع الدول على بذل الجهود من أجل تحقيق السلام والأمن، والعمل لإبعاد الإنسانية والعالم عن مخاطر الدمار والحروب.

      إن تبني الإدارة الأمريكية لسياسة الاحتواء في العلاقات الدولية، ادى لتهديد الأمن الوطني للدول النامية، كما عرض البني الاقتصادية والسياسية والثقافية لمخاطر التفكك ودفع المجتمعات نحو التخلف، وهذا ما يتنافى مع المواثيق والقوانين ألدولية، التي اكدت على أهمية تعزيز التعاون بين الدول وتشجيع المجتمعات للانتقال نحو عصر الحداثة واستيعاب العلوم والمعرفة.

 
2.    الحرب الأمريكية على العراق واستخدام الاسلحة المحرمة دولياً في عاصفة الصحراء 1991م

       عندما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية وقف العمليات العسكرية في الحرب على العراق عام 1991م، كانت وسائل الإعلام الأمريكية تؤكد بأن: "أمريكا قد دفنت عار فيتنام، إلى الأبد، في الصحراء العربية"، مما عكس حجم عقدة الإحساس بالخطيئة، لدى الإدارة الأمريكية، التي ولدتها هزيمة الحرب الأمريكية في فيتنام، لكن الإدارة الأمريكية ارتكبت خطيئة فادحة في تاريخنا المعاصر، عندما خططت لشن "حرب تحرير الكويت"، عبر توسيع نطاق العمليات العسكرية ضد جمهورية العراق.

       لقد أكد البيان الأول للقيادة العسكرية الأمريكية، انتهاء العمليات العسكرية لحرب وصلت كلفتها إلى 75 مليار دولار، دفعت واشنطن منها 15 مليار دولار فقط، وتحمل حلفائها الباقي، كما ضخمت البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية خسائر العراق، عندما أعلنت عن تدمير القوات البحرية والجوية العراقية، إضافة لتدمير 3000 دبابة، 1800 ناقلة جنود، 1480 مدفع، إلى جانب تدمير 29 فرقة عسكرية، كما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية ان ضحايا الحرب، بين قتيل وجريح من جنود الجيش العراقي يتراوح بين 85000-100000 مقاتل.

      كما بينت وسائل الإعلام الأمريكية، أن قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، نفذت 90000 طلعة جوية، القيت خلالها مازنته مليون طن من القنابل على العراق، مما عرض 2614070 وحدة مدنية للأضرار أو للدمار الكامل، تشتمل على: جسور، طرق، مطارات، مستشفيات، جامعات ومعاهد ومدارس، جوامع وكنائس، مصانع، محطات توليد الكهرباء، منشآت ومصافي النفط، منظومات الاتصال السلكية واللاسلكية، سدود، ملاجئ، إدارات ومؤسسات الدولة، والتي استطاعت القدرات الهندسية والفنية العراقية إعادة بناء 55% من البنية التحتية التي تعرضت للدمار حتى نهاية عام 1993م.


1-2         آثار التلوث البيئي لحرب عاصفة الصحراء على العراق والخليج العربي

     لقد تعرضت البيئة في العراق وبلدان الخليج العربي، إلى الآثار الخطيرة للتلوث، بسبب استخدام الاسلحة المحرمة دوليا في العمليات العسكرية، لقصف المدنيين في العراق الفوسفور الابيض والقنابل العنقودية والنابالم المتطور فضلا عن اليورانيوم المنضّب القاتل الخفي البطيء. حيث لا تزال الاراضي والمياه ملوثة باليورانيوم المنضّب، وستبقي كذلك على مدى ملايين السنين، مما عرض السكان المدنيين لمخاطر الاضطرابات الجسدية والنفسية والصحية. ويعتقد أغلب الناس، أن الضحية الأولى من الحرب دائما هي البيئة وصحة الإنسان، ولكن تبقى الحقيقة هي الضحية الأولى للحرب، كما يقول السيناتور الأمريكي هيرام جونسون Hiram Johnson. وطبقاً لتقرير موقع إيلاف فإن حرب عاصفة الصحراء، هي إحدى أسباب سوء الأحوال الجوية في العراق ومنطقة الخليج العربي، بسبب استخدام القذائف ذات الرؤوس المزودة باليورانيوم المنضّب في مسرح العمليات العسكرية بين العراق والكويت والتي أدت لتلوث الصحراء العربية.

      كما تسببت حرب عاصفة الصحراء باندلاع حرائق في آبار النفط الكويتية، التي تحولت الى مشكلة عالمية وخطر كبير على صحة البشر، بسبب ارتفاع الدخان إلى مسافة 1-4 كيلومتر في الفضاء والذي وصل إلى الإمارات العربية المتحدة وإيران وتركيا وسوريا والعراق وأفغانستان، واجتاحت هذه البلدان هطول الامطار الحامضية السوداء. كما أدت العمليات العسكرية لتفجير صمامات آبار النفط في الكويت مما أدى لتسرب ما بين أربعة وأحد عشر مليون برميل نفط في البحر. وقدر خبراء كويتيون أن تسرب النفط أدى إلى تكون 200 بحيرة، وخلق تبخر النفط من هذه البحيرات رواسب كثيفة من النفط في الصحراء تعرض التربة والمياه الجوفية للتلوث، مما عرض الصحة العامة للسكان والنباتات والحيوانات البرية والبحرية لمخاطر انتشار الامراض والموت (14).


2-2    ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض في العراق والكويت

     أدت حرب عاصفة الصحراء لارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية والنفسية والتشوهات الخلقية والتلوث البيئي، في العراق والكويت، ويعود السبب الرئيسي لاستخدام اليورانيوم المنضّب ومختلف أنواع الاسلحة التقليدية والاليكترونية. وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة العراقية والمنظمات الدولية المعنية بالصحة إلى زيادة حادة في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية في العراق. في عام 1995م انتشر في الكويت مرض اضطراب الكرب، الذي يلي الصدمة النفسية في 27% من الكويتيين منهم 86% من البالغين. 66% من أولئك الذين تم تشخصيهم بالمرض يحلمون بالكوابيس عن بعض أحداث الحرب. ويعتقد الكثير من العلماء أن اليورانيوم المنضّب هو السبب الرئيسي لظهور الأمراض الجديدة في الكلى والرئتين والكبد والانهيار الكلي لنظام المناعة. بالإضافة إلى ذلك لوحظ أن عدد حالات الإجهاض هي الأعلى في المنطقة المزدحمة بالعمليات العسكرية، كما ازدادت أمراض الجهاز التنفسي (15).
 

     حيث ستبقى الأراضي والمياه العراقية ومياهنا ملوثة باليورانيوم المنضّب، على مدى ملايين السنين، ما لم تسارع المؤسسات والمنظمات بإثارة انتباه الرأي العام والمجتمع الدولي الى مخاطر التلوث والضغط على الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في الحرب على العراق للاعتراف بما ارتكبته الجيش الأمريكي من جرائم حرب وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي الانساني وتحمل مسؤولية تنظيف الأراضي والمياه والأجواء من الآثار الخطيرة للتلوث البيئي وبالتعاون مع المنظمات العالمية والانسانية لتجنب المزيد من الكوارث الانسانية. وكشفت المديرة العامة لمنظمة المجتمع العلمي العربي، الدكتورة موزه بنت محمد الربان، التي قالت إن علماء البيئة استطاعوا قياس مستويات عالية من اليورانيوم في عينات من التربة من عدة مناطق في العراق، وقد ربطوا تلك القياسات والنتائج التي توصلوا إليها بالزيادة الكبيرة في أعداد المصابين بأمراض السرطان المسجلة في السجلات الوطنية للسرطان في العراق. وأضافت أن العلماء استنتجوا أن الحربين الدوليتين بقيادة الولايات المتحدة على العراق في عامي 1991 و2003، واللتين استخدمت فيهما قذائف اليورانيوم المنضّب، قد تركتا إرثا وخيما على صحة المدنيين العراقيين بشكل عام، وزيادة في السرطانات والتشوهات الخلقية لدى المواليد بشكل خاص. وأضافت الربان أن "الأمر لا يقتصر على اليورانيوم المنضّب فحسب، بل لقد استخدمت أنواع عديدة من الملوثات في تلك الحروب كان لها أبلغ الأثر على البيئة والصحة لأهالي المنطقة (16).

     وختمت المديرة العامة لمنظمة المجتمع العلمي العربي بأنهم يأملون في أن يحرك هذا الملف ساكنا، ويشمل ذلك دعوة لاتخاذ إجراءات فورية وفاعلة على كافة المستويات الرسمية والعلمية والشعبية، مؤكدة أن البيئة الملوثة في العراق ليست بعيدة عن دول الجوار عامة وعن الكويت والسعودية خاصة، وداعية لعمل مشترك بين هذه الدول لإنقاذ مستقبل الأجيال. ويوضح الدكتور كاظم المقدادي، أن قوات التحالف بقيادة واشنطن أُطلقت على العراق خلال الحربين 1991 و2003 كمية هائلة من ذخائر اليورانيوم خلفت أكثر من 2200 طنا متري من اليورانيوم المنضّب، أي ما يساوي في ذريته 250 قنبلة ذرية، وهذا وفقا لتقدير البروفسور ياغازاكي Katsuma Yagasaki من الهيئة العلمية في جامعة ريوكيوس في أوكيناوا في اليابان. ويضيف أنه ثمة أدلة قاطعة على أن استخدام اليورانيوم المنضّب هو سبب الزيادة الكبيرة في حالات الإصابة بالسرطانات في العراق، مثل سرطان الدم لدى الأطفال وسرطان الثدي لدى الفتيات في بعض مناطق العراق بعد حرب 1991 وخلال احتلال العراق عام 2003 وما بعده، كما تشير الإحصاءَات إلى زيادة كبيرة في الولادات المشوهة في المناطق القريبة من ساحات المعارك (17).


     كما كشف العالم الكندي هاري شارما بعد زيارته الميدانية للبصرة، من أنه سيموت بالسرطان نحو 5-12% من الذين تعرضوا لأسلحة اليورانيوم المنضّب عام 1991م، وأكد شارما أن مئة ألف مواطن في البصرة وحدها أصيبوا بالسرطان بين عامي 1991 و1998م، وأن 75% منهم أطفال. وسجلت حالات من الإسقاط والاعتلال العصبي والتشوهات الجنينية أكثر بكثير مما كان معتادا، وحصل ذلك وسط العراقيين من العسكريين والمدنيين. ويضيف أن العقدين الأخيرين شهدا انتشارا للأمراض السَرطانيّة في المجتمع العراقي على نحو كارثي، وبلغت الإصابات السَرطانيّة أكثر من مليون إصابة مُسجّلة رسميا، وما زال العدد يرتفع باستمرار. ويموت من هذه الإصابات سنويا ما يتراوح بين 10 آلاف و12 ألف شخص، وهناك عشرات آلاف الإصابات والوفيات سنويا غير المسجلة. ويضيف شارما أن أطفال العراق هم الضحية الأولى للأمراض السرطانية، فقد أكدت المعطيات أن العراق صاحب أعلى معدل لوفيات الأطفال في العالم، الذي يشكل 8% من حالات السرطان كافة في العراق، مقارنة بـ1% في الدول المتقدمة. أن أكثر السرطانات شيوعا بين الأطفال هو سرطان الدم، تليه سرطانات الجهاز اللمفاوي والدماغ وأورام الجهاز العصبي، وأنه قد تضاعفت إصابة الأطفال بسرطان الدم في مدينة البصرة ثلاث مرات خلال15 عاما الماضية (18).

3.    الجهود والبرامج العلمية لمواجهة مخاطر التلوث النووي والاشعاعي البيئي في العراق

      بناء على اهتمام مجلس الوزراء العراقي وبإشراف اللجنة العليا للعلوم والتكنولوجيا، لمعالجة الاثار الخطيرة للتلوث البيئي، كُلف قسم الهندسة البيئية في جامعة بغداد، وبالتنسيق مع منظمة الطاقة الذرية العراقية لتحديد مواقع التلوث الاشعاعي في المناطق الجنوبية بالإحداثيات الدقيقة، واتفق على جمع الآليات الملوّثة وردمها في مناطق عزل خاصة، وأنجزت من المشروع مرحلتين من ثلاث مراحل في عام 1998م، بعد ان حددت أفضل المواقع لردم النفايات الصناعية الخطرة والمشعة. لقد اعتمدت وزارة الخارجية العراقية في هيئة الامم المتحدة دراسات قسم الهندسة البيئية التي اعدت بالتنسيق مع قسم الهندسة النووية وقسم البيئة الاشعاعية في منظمة الطاقة الذرية، حول التلوث الاشعاعي بأسلحة اليورانيوم المنضّب للمطالبة بحقوق العراق جراء هذه الكارثة البيئية، لإعداد بحوث موقعية تضمنت قراءات حقلية وفحوصات مختبرية واجراء حسابات وتقديرات للجرع الاشعاعية للسكان في جنوب العراق. لقد تم اختيار ثلاث مناطق بمساحات محددة لردم هذه النفايات خلال المرحلتين الاولى والثانية (19) .

      وأكدت د. سعاد العزاوي، المشرفة على مشاريع ردم النفايات المُشعة، على عدم وجود استراتيجية لمعالجة موضوع التلوث باليورانيوم المنضّب تحديداً، وهذا الموضوع لا ينتهي بوجود مواقع لردم النفايات المشعة والنووية فقط، لان الاهم من ذلك، هو تحديد مناطق التلوث ونمذجة انتقال الملوثات بمختلف الآليات المعروفة لديكم وتحديد الجرع الاشعاعية المستلمة في المناطق المختلفة ومعايرتها بأخذ نماذج حيوية من المصابين ومن عينات عشوائية او محددة من المناطق ذات التعرض العالي. وكذلك وضع خطط مواجهة نتائج هذا التعرض في كل منطقة سواء من الناحية الصحية او اجراءات التنظيف المطلوبة (20).وتشير المصادر لوجود أكثر من أربعين موقعاً في عموم محافظات العراق ملوثاً بمستويات عالية من الإشعاعات والمواد السامة، ومع استمرار الحروب والإهمال، تحولت البيئة في أجزاء واسعة من البلاد الى اضرار كبيرة بفعل وجود الخردة المعدنية للمعدات والتجهيزات العسكرية الملوثة باليورانيوم المنضّب والتي تحتوي في داخلهما على نسب عالية من الإشعاع المتأين الذي الذي استعمل كذخيرة أثناء حرب الخليج عام 1991-2003م (21).

      ان استخدام اليورانيوم المنضّب في الحرب على العراق يُعد جريمة ضد الانسانية لمخالفته للقانون الدولي الإنساني وقواعد واعراف الحرب، وتُعد الولايات المتحدة الامريكية من الأطراف الموقعة على اتفاقية لاهاي لعام 1899م، والاعلانات الثلاث المُلحقة بها، كما انها دولة طرف في اتفاقية لاهاي لعام 1907م بشأن قواعد واعراف الحرب، وما ارتكبته الولايات المتحدة الامريكية في حق العراق يُعد مخالفة صريحة لنص المادة (23) من اتفاقية لاهاي، وكذلك اتفاقيات جنيف الأربعة لعام1949م والبروتوكولان المُلحقان بها وفقا للمادة (55) والتي تُلزم الدول بمراعاة حماية البيئة الطبيعية من الاضرار البالغة اثناء القتال. واظهرت دراسة أمريكية، اجراها مركز بحوث اليورانيوم الأمريكي، من خلال مسح ميداني ان ارتفاع مستوى التلوث الاشعاعي كان واضحا في جنوب العراق وبعض مناطق بغداد، وان اغلب القراءات الاشعاعية كانت أعلى في الهواء من وجودها في التربة، ويدل ذلك على ان ذرات اليورانيوم المُشع والتي ينقلها الهواء هي من النوع الذي يسهل استنشاقه ودخوله حويصلات الرئة (22).

     واعترفت نرمين عثمان، وزيرة البيئة في الحكومة العراقية، في اجتماع لجامعة الدول العربية عقد في القاهرة بتاريخ 23 تموز/ يوليو 2007م، باستخدام القوات الامريكية لسلاح اليورانيوم المنضّب خلال حملة الترويع والصدمة في عام 2003 لتربط، ولأول مرة ايضا، بين استخدامه وازدياد حالات الاصابة بمرض السرطان بين العراقيين. ذكرت الوزيرة نرمين عثمان ان هناك 350 موقعا ملوثا نتيجة القصف الامريكي وان هناك 140 ألف اصابة بمرض السرطان كما تسجل 7 ـ 8 آلاف حالة جديدة كل عام. وبينت نرمين عثمان ان من بين الاسباب الملوثة للبيئة تدمير المحطات وحرق المواد الكيمياوية اثناء القصف وان كانت النتائج البيئية غير واضحة. وان العراق بحاجة الي المختبرات لرصد درجة تلوث الهواء والماء. وانه لم تجر اية عملية تنظيف او توعية عن التلوث في العراق. وهذه هي المرة الاولي التي يتحدث فيها مسؤول حكومي عراقي عن اليورانيوم المنضّب. اذ غالبا ما يرفض المسؤولون الحديث عن الموضوع خشية اثارة غضب الادارة الامريكية الرافضة بشكل مطلق الاعتراف بمسؤوليتها عن جرائم التلوث والتشويهات والموت البطيء الناتج عن الاصابة بالأمراض السرطانية على اختلاف انواعها (23).

      ومن المثير للانتباه، عدم اهتمام وزارة البيئة في الحكومة العراقية بالتلوث الاشعاعي وتأثيره على البيئة والصحة البشرية، ورفض قوات الاحتلال الأمريكي والبريطاني، الكشف عن كميات اليورانيوم المستخدم وانواعها كما ترفض الكشف عن مواقع استخدامها لئلا يبحث باتخاذ الاجراءات لتقليل اضرار اشعاعاتها ضد الصحة. كما منعت قوات الاحتلال منظمات الامم المتحدة من اجراء اي برنامج لتقدير المخاطر الصحية على حياة المواطنين نتيجة الاشعاعات الضارة كما منعت اصدار اية ارقام او احصائيات من قبل وزارة الصحة بعد الاحتلال كجزء من تغطية الجرائم والانتهاكات المُرتكبة للقانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية. وتكشف البحوث حقيقة مخيفة مفادها ان تأثير الاشعاع قد ادى الي تغيير تركيبة الجينات والكروموسومات لدى جنود الولايات المتحدة الامريكية المقاتلين في حرب عاصفة الصحراء 1991م. لذا يفترض قيام الإدارة الامريكية بتوفير المعلومات الضرورية عن انواع وكميات ومواقع اليورانيوم المنضّب والسماح لمنظمة الامم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية بوضع برنامج استكشافي كامل لتقدير ما اصاب الصحة والبيئة نتيجة استخدام هذه الاسلحة المحرمة دوليا على العراق منذ عام 1991م. يشمل سكان المناطق الملوثة لمعرفة عواقب التعرض لليورانيوم، واخلائها من المركبات والآليات الملوثة وايجاد آلية شاملة لتنظيف المواقع الملوثة. والتحقيق في مسؤولية الإدارات الامريكية والدول المشاركة في الحرب على العراق والعمل عالميا عبر الاتفاقيات الدولية لمنع استخدام اليورانيوم المنضّب مستقبلا ضد الشعوب والدول (24).

     لقد حذّر مجموعة من الأكاديميين العراقيين من مخاطر التلوث البيئي على أنواعه في العراق، خلال انعقاد مؤتمر عن التلوث البيئي في العراق، نظّمته لجنة البيئة والصحة التابعة لرابطة الأكاديميين العراقيين في لندن، للبحث بمخاطر التلوث الممتدة منذ عقود، والذي استفحل نتيجة الحروب، مشددين على أهمية التوعية إلى جانب الضغط على الحكومة لمعالجة مسبباته وآثاره. وتمثل هدف المؤتمر، في البحث في أسباب التلوّث البيئي وتداعياته وسبل معالجته، حيث ذكرت الدكتورة جيهان بابان، إن آثار حروب الخليج لا تزال مستمرّة في تلويث البيئة الذي نراه في جميع مدن العراق، خصوصاً في مدينة بغداد حيث نجد التلوّث بأشكاله المتنوّعة من الكيماوي والإشعاعي والمواد الصلبة والنفايات الطبية وتلوّث الماء والأنهار والطعام الذي نتناوله والهواء، فضلاً عن التسمّم بالرصاص، مما يتسبّب بإصابة أطفال كثيرين بالتشوّهات والموت المبكر في جميع أنحاء العراق، مشيرة إلى ارتفاع معدّلات الإصابة بالأمراض السرطانية خصوصاً لدى الأطفال والنساء.


     وعن أسباب التلوّث الإشعاعي، قالت الدكتورة بابان، إنه منذ عام 2003، استخدمت الأسلحة الكيمياوية بشكل كبير في العراق، مضيفة أنّ جميع الحروب تؤذي البيئة، وتؤثّر في الاقتصاد والميزانية وتعيق استخدام المهارات والخبرات، في وقت تعاني فيه البيئة اليوم في العراق من وضع في غاية السوء. وأشارت إلى عدم توفر الصرف الصحي في مدن عديدة، ما يسبب اختلاطها بالمياه، وعدم إتاحة وسائل لنقل النفايات، إضافة إلى المبيدات الفاسدة المخزّنة في براميل غير صحيّة منذ مدّة طويلة، مؤكدة أنّه ينبغي استشارة خبراء لاستخدام الطرق الصحيحة. لذا يبدو إن مستقبل العراق البيئي مبهم كمستقبل العراق السياسي، فالواقع البيئي سيئ جداً في الوقت الحالي والتلوّث لا يزال مستمراً منذ 40 عاماً، مما يتطلب نشر الوعي البيئي في المجتمع، والضغط على الحكومة لمعالجة تلك المشاكل (25) .

    وفي ظل انتشار التلوث الإشعاعي في أرجاء العراق، والذي يعد من أخطر انواع التلوث على جميع الاحياء في الأرض، ليس بسبب اخطاره وحسب، وانما كذلك بسبب طول العمر الزمني لبقاء تلك الملوثات. ويشير د. علي حنوش، الى المتابعة التي جرت للمواقع التي تعرضت للتلوث الاشعاعي، كبقايا الآليات العسكرية التي استهدفت بالقصف أو منظمة الطاقة الذرية التي تعرضت منشآتها للسرقة او التدمير، والتي يمكن ان تكون مصدرا من مصادر التلوث المشعة. أن عمليات مراقبة بعض المراكز والمفاعلات النووية العراقية في التويثة بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003م، اظهرت ان البعض منها أصبح مصدراً لإطلاق مستويات من الاشعاعات ذات خطر على الصحة والبيئة معا. فنسبة الاطلاق بلغت 2.8 مليرم/ساعة، قياسا للمعدلات الطبيعية وهو 1 مليرم/ساعة قبل ان تفضي الى الاضرار بالصحة والبيئة. ومن المعتقد ان سرقات أجهزة حساسة وبراميل معبأة بأكسيد اليورانيوم المعروف باسم «الكعك الاصفر»، واستخدامها في تخزين الماء والحليب واللبن، من دون معرفة الآثار المترتبة على ذلك حيث أنها تحتوي على مواد مشعة، سيكون له اضرار مستقبلية على الارجح. كما ان إجراء دراسة حول مخلفات اليورانيوم المنضّب ستفضي للحصول على بيانات دقيقة عن المواقع المصابة، وتسهيل تنظيفها مستقبلاً. ويتابع المركز اجراء المسوحات الاشعاعية لمواقع الدبابات والآليات والتي اظهرت نتائج الفحص لها وجود تلوث اشعاعي نتيجة قصفها بقذائفD.U  في بغداد والبصرة وغيرها من المحافظات (26).

       وينتشر اليوم في العراق أكثر من أربعين موقعاً ملوثاً بمستويات عالية من الاشعاعات النووية والمواد السامة بسبب ثلاثة عقود من الحروب والإهمال، والتي تزامنت مع تزايد ظهور أعراض الاصابة بالسرطان والتشوهات الولادية لدى السكان. وقالت وزيرة البيئة نرمين عثمان: "ان المستويات العالية من المواد السامة في الاراضي الزراعية في جنوب العراق بشكل خاص كانت على نحو متزايد العامل الاساسي في انخفاض المستوى الصحي لحياة الناس في أفقر مناطق البلاد"، واضافت الوزيرة قائلة: "اذا نظرنا الى البصرة، فهناك تلوث شديد في بعض المناطق حيث أن هناك العديد من العوامل التي تسهم في ذلك، فأولا لقد كانت تلك المناطق ساحة معركة لثلاث حروب كبيرة هي الحرب العراقية الايرانية وحرب عاصفة الصحراء  وحرب احتلال العراق عام 2003م، حيث استعملت العديد من أنواع القنابل فيها يضاف اليها تفجير أنابيب النفط  لذلك فان أغلب التلوث استقر في وحول البصرة، وقد انتقل هذا التلوث في النهاية ليستقر في رئات الناس وفي الغذاء الذي يتناوله الناس. المواد السامة كانت ذا نسبة عالية جداً في تلك المناطق ما سبب مشاكل واسعة النطاق في النظام البيئي وعلى الصحة العامة" (27).

      لقد ركزت المجموعة الحكومية التي أعدت دراسة خاصة عن مدينة الفلوجة المنكوبة بالحرب غرب بغداد حيث أبعدت الحالة الأمنية غير المستقرة فيها العلماء عن اجراء الفحوصات منذ أن بدأ فيها القتال العنيف بين المقاومة العراقية والقوات الأمريكية عام 2004. وكانت الغارديان قد نشرت دعوى بعض الاطباء المحليين فيها عن ارتفاع هائل في التشوهات الولادية في المدينة. وخصوصا تشوهات الحبال العصبية وأدمغة المواليد الجدد، وتضيف وزيرة البيئة قائلة: "نحن نعلم بهذه التقارير لكن يجب علينا أن نكون حذرين في الوصول الى استنتاجات حول الأسباب"، مضيفة: "أن الوضع الصحي في المدينة ليس جيداً وليس هناك نظام لتصريف المجاري، بالإضافة الى الكثير من النفايات الراكدة ما يسبب أمراضاً تؤثر على الجينات بشكل مباشر لكننا على أية حال على علم بأن هناك الكثير من اليورانيوم المنضّب قد استعمل هناك، فنحن نحاول ضبط ومراقبة هذه الحالات ونحاول جمع قاعدة بيانات حولها بأسرع ما يمكن"، وتواصل الوزيرة: "لقد كان لدينا تعاون مع برنامج الامم المتحدة للبيئة وتم تسليمهم تقاريرنا في جنيف حيث تمت دراسة 500 موقع ملوث بالمواد الكيمياوية واليورانيوم المنضّب، منذ ذلك الحين وحتى الآن اكتشفنا 42 موقعا قد تم الاعلان عنها كونها «عالية الخطورة» بسبب المواد الكيمياوية السامة واليورانيوم" (28).

 ومن الجدير بالذكر، وجود عشر مناطق قد تم تصنيفها من هيئة الطاقة الذرية العراقية كونها تمتلك مستويات عالية من الاشعاع تتضمن ثلاثة مواقع نووية سابقة في منطقة التويثة على أطراف جنوب شرق بغداد بالإضافة الى مراكز البحوث السابقة حول العاصمة والتي قصفت أو تم تفكيكها خلال الفترة الواقعة بين حربي الخليج. وقال رئيس الهيئة عدنان جرجيس: "حينما وصل مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية لزيارة هذه المواقع قلت لهم اننا حتى لو كان لدينا أفضل العلماء في العالم لغرض المساعدة فانه لا يستطيع أحد منهم أن يعتبر العراق نظيفاً قبل عام 2020م". أكدت بشرى علي أحمد مديرة مركز الاشعاع في بغداد، على إمكانية التركيز: لانقاذ 80% من المواقع التي تلوثت بسبب الحروب ولدينا خطط لمسح مواقع أخرى، لكن المشكلة لدينا حينما توجد مثلاً دبابة محطمة ثم جرى سحبها بعد ذلك، سنجد دائماً اشعاعا في مكانها وهو ما يحتاج الى فترة لتطهير مثل هذه المواقع. وتضيف وزيرة البيئة نرمين عثمان قائلة: "لقد ازاد تدهور البيئة في العراق بالجفاف ونقص المياه الحاد في أنحاء البلاد كافة حيث شهدت نقصا يبلغ 70% في حجم الماء المتدفق عبر نهري دجلة والفرات ولذلك لن نستطيع القول بأننا أرض الرافدين حيث ان الكثير من المياه التي نستخدمها كان قد تم استخدامها من قبل سوريا وتركيا لتوليد الطاقة الكهربائية لذلك حينما يصلنا الماء يكون رديئاً كذلك فان الماء المستخدم في الزراعة ملوث هو الآخر لذلك نشعر بأننا في وسط كارثة بيئية فريدة من نوعها" (29).

     وبسبب الفضائح التي هزت الرأي العام البريطاني والمجتمع الدولي عن جرائم الحرب في العراق والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني، نشرت لجنة تحقيق العراق برئاسة السير جون تشيلكوت، نتائج تحقيقها، الذي استمر 7 سنوات، والتي خرجت باستنتاجات مهمة بشأن مشاركة المملكة المتحدة في احتلال العراق، معلنة بان الحرب في عام 2003 لم تكن ضرورية، ومبرراتها ليست مقنعة، فلم يشكل العراق وقتها خطراً على المصالح البريطانية، ولم تثبت مزاعم امتلاكه أسلحة الدمار الشامل. وأوحى تقريرها بعدم شرعية الحرب، وتجاوزت الدارسة البريطانية ما تنص عليه الأمم المتحدة للحفاظ على الأمن والسلام الدوليين، رغم ادعائها بأنها "تحركت نيابة عن المجتمع الدولي"، بينما لم يتحدث المحامي العام في وقت توني بلير اللورد غولد سميث عن وجود أساس شرعي للحرب ضد العراق. ولم يفوض مجلس الأمن، في وقتها، أي دولة لشن الحرب على العراق (30).

 
    وقدمت الشبكة البريطانية لأسلحة اليورانيوم في 15 تموز/ يوليو 2010م تقريراً علمياً وافياً مكرساً لاستخدام المملكة المتحدة لذخائر اليورانيوم المنضّب في العراق، شرحت فيه طبيعتها وأصنافها وحجم ما استخدم منها على العراق. وتناولت بالأدلة العلمية القاطعة المخاطر الصحية لليورانيوم المنضّب، مستندة الى نتائج دراسات وأبحاث رصينة، أثبتت سميته الكيميائية والإشعاعية على العسكريين والمدنيين، تجسدت بـ " أعراض حرب الخليج"، التي طالت مئات اَلاف العسكريين، وانتشار الإصابات السرطانية والتشوهات الخلقية وعلل مرضية أخرى غير قابلة للعلاج وسط المدنيين الأبرياء. ولفتت الشبكة انتباه لجنة التحقيق الى تكرار استخدام وزارة الدفاع ذخائر اليورانيوم في غزو العراق رغم علمها المسبق بمخاطر استخدامها، باعتبارها ذخائر مشعة مصنعة من نفايات نووية خطيرة. وهذا ما أكده البرفسور مالكولم هوبر، أستاذ الكيمياء الطبية بجامعة سندرلاند، والمستشار العلمي لـ "جمعية جنود حرب الخليج الثانية المتقاعدين في المملكة المتحدة"، متجاهلة كافة التحذيرات العلمية، الصادرة عن مؤسسات علمية بريطانية معروفة، بشأن سميتها الكيميائية والإشعاعية وأضرارها البيولوجية على صحة وحياة العسكريين والمدنيين. لكن وزارة الدفاع البريطانية التي لديها معرفة كاملة عن هذه المعلومات، قامت بإخفاء البيانات والمعلومات ذات العلاقة (31).


إضافة لما تقدم، أكد دوج وير، منسق "التحالف الدولي لحظر أسلحة اليورانيوم  (UKUW)، في مقالة له في مجلة The Ecologist في 11 تموز/ يوليو2016م، بأن تقرير تشيلكوت كشف عن ان المملكة المتحدة ليس لديها نية لتنظيف العراق من تركتها المشعة القاتلة، وتخلت عن مسؤوليتها وواجبها في إزالة المخلفات السامة التي خلفتها هناك، ولا حتى وجوب رصد تأثيراتها على صحة ومستقبل السكان. وأخفت وزارة الدفاع عن لجنة التحقيق وثيقة عسكرية قديمة، في عام 2003م، أعلنت فيها عن نيتها إزالة مخلفات اليورانيوم المنضّب والذخائر غير المنفجرة من المناطق العراقية المقصوفة، وأقرت فيها: "لدينا على المدى الطويل مسؤولية قانونية لتنظيف العراق من مخلفات اليورانيوم المنضّب"، لكنها غيرت فيما بعد المسؤولية القانونية الى: "أخلاقية"، ومن ثم رفضت أي مسؤولية، معتبرة إياها بكل صلافة مهمة حكومة بغداد. لقد تناول تقريرUKUWN المقدم للجنة بالتفصيل المسؤولية في انتهاكات القانون الإنساني الدولي من قبل مستخدمي أسلحة اليورانيوم، متجاهلين القوانين الدولية التي حظرت في البروتوكول الاضافي الاول الملحق باتفاقيات جنيف المادة (35)، التي تنص على:"يحظر استخدام وسائل او اساليب القتال يقصد بها او قد يتوقع منها ان تلحق بالبيئة الطبيعية اضرارا بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد". ووفقا للمادة 4 من التعليمات الرسمية، والمادة 7 من قانون المحكمة الجنائية الدولية، فان ما سبق يُعدُ برأي د. سعاد العزاوي: "جريمة ضد الانسانية نتيجة لتأثيراته الصحية الضارة التي لا تميز بين المدنيين والعسكريين، والتي تستمر أضرارها لفترات طويلة بعد الانتهاء من العمليات العسكرية" (32).

 

الخاتمة
     ان موضوع الحروب والتلوث البيئي في العراق والشرق الاوسط، من المواضيع التي تثير الاهتمام في العصر الراهن لما تسببه من مخاطر على البيئة تهدد الطبيعة وحياة الانسان. لقد تعرضت البيئة الطبيعة في العراق للدمار نتيجة الاهمال والحروب منذ عام 1980م وحتى الاحتلال الأمريكي-البريطاني عام 2003م. ولعدم الاعتراف بقواعد واعراف الحرب الخاصة بالبيئة. حيث قذفت الاف القنابل والمتفجرات وبمختلف الاحجام التدميرية ودمرت المنشآت الصناعية وتسربت الاف الاطنان من المنتجات النفطية والحوامض والمبيدات مع تعطيل مصادر الطاقة الكهربائية كل ذلك أثر تأثيرا مباشرا على البيئة والتلوث الحاصل بسبب تدمير المنشآت الصناعية العامة ومصافي النفط والمنشآت النووية، التي تقع داخل المدن مما ادى الى التلوث البيئي وانتشار الامراض الخطيرة والاوبئة. لقد ارتفع عدد المواقع الملوثة لأكثر من 300 موقع ملوث كيمياويا ويحتاج ذلك الى مليارات من الدولارات وعشرات السنين لتنظيف بيئة العراق.

     وتتحمل الولايات المتحدة الامريكية ودول التحالف مسؤولية مباشرة عن التدمير الشامل للبنى التحتية والتلوث البيئي الذي الحق اضرارا خطيرا في الطبيعة والصحة العامة وبما يتناقض مع العديد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية البيئة، كاتفاقية لاهاي لعام 1899م، والاعلانات الثلاث المُلحقة بها، واتفاقية لاهاي لعام 1907م بشأن قواعد واعراف الحرب، وما ارتكبته الولايات المتحدة الامريكية في حق العراق يُعد مخالفة صريحة لنص المادة (23) من اتفاقية لاهاي، وكذلك اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م والبروتوكولان المُلحقان بها وفقا للمادة (55) والتي تُلزم الدول بمراعاة حماية البيئة الطبيعية من الاضرار البالغة اثناء القتال. كاتفاقية مجلس أوروبا بشأن الانشطة الخطرة على البيئة لعام 1993م واتفاقية جنيف الخاصة بالتلوث الجوي بعيد المدى والعابر للحدود لعام 1989م، التي اضفت الطابع الانساني على الحرب وعدم الحاق الضرر وتدمير البيئة. بناء عليه، يكتسب الضرر البيئي صفته القانونية التي يكون محلا للتعويض سواء كان لأشخاص القانون الدولي او الاشخاص الاعتباريين.

     لذا تتحمل الولايات المتحدة الامريكية، مسؤولية كاملة عن الضرر البيئي والتدهور الصحي الذي لحق بالعراق وذلك بموجب القواعد والاتفاقيات الدولية وميثاق الامم المتحدة، باعتبارها دولة محتلة استنادا للقرار رقم 1384 لسنة 2004م الصادر عن مجلس الامن الدولي، وبموجب القواعد والاسس الشرعية الدولية وقواعد واعراف الحرب بالاتفاقيات المشار اليها أعلاه. واليوم  ندعو المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية الانسانية المتخصصة ومنظمات المجتمع المدني في الدول الاوربية والعالم المتخصصة في حماية البيئة والمناهضة للحروب ولاستخدام الاسلحة المحرمة دولياً، ان تضطلع بدورها البناء لحماية البيئة والقضاء على مظاهر التلوث البيئي في العراق ومنطقة الشرق الاوسط لضمان الامن والسلام والاستقرار.

 

 

 

../Picture1.png

ألمصادر والهوامش

 

(1) جيهان عادل حجاحجة، "أثر الحروب على البيئة"، في: موقع الموضوع، 19 مايس 2016م.

(2) زبيغنو بريجنيسكي، "الولايات ألمتحدة والعالم الإسلامي"، في: صحيفة الرأي، 10 ديسمبر 1994م، ص 40. للتوسع في دراسة العلاقة بين التطورات الاجتماعية الداخلية والسياسة الخارجية الأمريكية، يُمكن العودة إلى الكتاب الصادر عن مؤسسة فرانكلين: دافيد كويل، النظام السياسي في الولايات المتحدة، بغداد، مكتبة المثنى، 1954م، ص ص 287-308.

(3) توماس موفنار، "رأي أمريكي بالأمريكانية"، في: مجلة آفاق عربية، العدد 7، 1990م، ص91.

(4) مارسيل ميرل، السياسة الخارجية، باريس، بوف، 1984م، ص159.

(5) نعوم تشومسكي، "بعد الحرب الباردة - الحرب الحقيقية"، ص 46، في: حرب النفط، جيرارد دوليسيس، بغداد، مركز أبحاث أم المعارك، 1994م.

(6) هارولد كليم وستانلي فولك، ظروف الأمن ألقومي، بغداد، كلية الدفاع الوطني،1981م، ص ص 13-14.

(7) Henry Kissinger, "Le fondement de la politique étrangère des Etats Unies ", in: Politique Etrangère, n° 4, 1982, pp. 915-931.

 (8) موريس بلاشسان وكنيث شارب، "نهاية السياسة الخارجية الأمريكية"، في: مجلة آفاق عربية، العدد 1، 1991م، ص 27

 (9) خطاب الرئيس جورج بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 23 أكتوبر 1990م.

(10) محمد حسنين هيكل، مُستقبل التنمية ورؤية مجتمع الإدارة، الإسكندرية، المعهد القومي للإدارة العليا، محاضرة نُشرت على أجزاء في صحيفة الدستور، في 5 نوفمبر 1990م.

(11) يفغيني بريماكوف، حرب كان تجنبها ممكنناً، بيروت، دار النشر كومبيوتر، 1991م، ص 54.

(12) نعوم تشومسكي، "بعد الحرب الباردة - الحرب الحقيقية"، مصدر سبق ذكره.

(13) بيل كلينتون، مقابلة في صحيفة الغارديان البريطانية، 4 نوفمبر 1992.

(14) حروب الخليج العربي The Columbia Encyclopedia، في: يوكيبيديا، الأثر البيئي لحرب الخليج الثانية 1991م.

(15) المصدر نفسه.

(16) أسامة أبو الرُّب، "اليورانيوم الذي ألقي بالعراق يساوي 250 قنبلة ذرية"، منظمة المجتمع العلمي العربي، موقع الجزيرة نت، الخميس 19 نوفمبر2015 م.

(17) نفس المصدر.

(18) نفس المصدر.

(19) Souad N. Al-Azzawi. “Selection of best hazardous waste disposal sites in Iraq using environmental constraints mapping techniques”.
Journal of Arabic Universities Association for engineering researches and studies, Volume 5, No.1, 1998.
(20) سعاد العزاوي، "واحدة من أبشع جرائم الحربين الأمريكية على العراق"، سلّطت حلقة: الصندوق الأسود، الضوء على ملف استخدام أسلحة اليورانيوم المنضّب من قبل الجيش الأميركي والقوات العسكرية المتحالفة معه في حربي الخليج 1991-2003م، وأثناء حصار الفلوجة عام 2004.

(21) صادق علي حسن، "التهديدات البيئية وأثرها على واقع الأمن الإنساني في العراق"، في: مجلة دراسات البيان، مركز البيان للدراسات والتخطيط، بغداد، 25 أيلول2016م.

(22) علي عدنان عشقي، اليورانيوم المنضب ودول الخليج العربي، في: جريدة الوطن السعودية،23 ابريل/ نيسان 2009م.

(23)  هيفاء زنكنة، "من الغبار القاتل الى حرق الاشجار: ابادة الحياة في العراق"، صحيفة دنيا الوطن، ٢٨ يناير ٢٠٠٨م.

(24)  نفس المصدر.

(25) كاتيا يوسف، "أكاديميون يحذرون من مخاطر التلوث البيئي في العراق"، في: موقع العربي الجديد،

لندن، 27  يونيو/ حزيران 2016م.

(26) علي حنوش، البيئة العراقية: المشكلات والآفاق، بغداد، وزارة البيئة العراقية، 2004م، انظر: كاظم المقدادي، "البيئة العراقية: تلوثات ما قبل الحرب وبعدها"، في:صحيفة الشرق الأوسط، 14 ابريل/ نيسان 2005م.

(27) عمار كاظم محمد، "الحروب وتلويثها للبيئة العراقية"، موسوعة البيئة العراقية، مقال مترجم عن صحيفة: الغارديان البريطانية في شباط 2010م.

 (28) نفس المصدر.

(29) نفس المصدر.

(30) كاظم المقدادي، "لجنة التحقيق البريطانية في حرب العراق تجاهلت الضحايا"، ترجمة عن: صحيفة الغارديان 6 آب/أغسطس 2016م.

(31) نفس المصدر.

(32) سعاد العزاوي، "مسؤولية الولايات المتحدة عن تلويث العراق باليورانيوم المنضب"، في: مجلة المستقبل العربي، العدد 376، حزيران 2010م.



د. غازي فيصل حسين
مستشار المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية
أستاذ العلاقات الدولية والتنمية السياسية المُشارك
المؤتمر البيئي الإقليمي الأول للشرق الاوسط: الحروب والنزاعات المسلحة وتأثيراتها على البيئة
جامعة عمان العربية 18 -21  أكتوبر/ تشرين الاول 2017

نيوز سنتر - news center

المركز السوري للأخبار والدراسات
#أخبار_سوريا
#عربي_ دولي
#الأخبار_ برؤية مختلفة







المركز السوري للأخبار والدراسات



أضف تعليق