ماذا ستفعل تركيا في إدلب؟

ماذا ستفعل تركيا في إدلب؟
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

من المعلوم للجميع أنّ محادثات أستانة الخاصة بسوريا، بدأت لتحقيق أهداف معينة أهمها التفريق بين المعارضة المعتدلة والجماعات المتطرفة، ومن ثمّ توحيد الجهود للقضاء على هذه الجماعات، ليتبع ذلك وقف إطلاق النار بين النظام السوري والمعارضة، ومن ثمّ السعي تدريجيا للوصول إلى حل سياسي للأزمة. 

وتعدّ محافظة إدلب واحدة من أكبر العقبات التي تعترض تنفيذ هذه الخطة، لا سيما أنها تعتبر أكبر بقعة جغرافية تسيطر عليها المعارضة.

ولا يختلف إثنان على أنّ هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) تعتبر من أقوى الفصائل على الأرض في إدلب. 

بالمقابل، فإنّ بعض الفصائل العسكرية الموجودة في إدلب، هم من المشاركين في محادثات أستانة، وهذا الأمر يحول دون قيام الروس بمعاقبة المدينة برمتها بحجة وجود جبهة النصرة فيها، ولهذا فإنه من الضروري التفريق بين المعارضة المعتدلة والجماعات المتطرفة في هذه المحافظة.

وبالنسبة لتركيا، فإنّه من الأهمية بمكان أن تُحلّ مشكلة إدلب دون تدخل جهات أخرى، لا سيما أنه في حال عدم تدخل تركيا في هذه البقعة الجغرافية، فإنها ستكون مُستهدفة من قِبل قوى دولية لا تمتّ إلى المنطقة بصلة.

وبالإضافة إلى احتمال تعرّض المحافظة لتدخلات أجنبية، فإنّ هناك احتمال أن تكون مطمعا لتنظيم "ب ي د" الإرهابي الراغب في توسيع رقعة المساحة التي يسيطر عليها، ولو كان هذا الاحتمال ضعيفا.

وتشير الاحصائيات إلى وجود قرابة 3 ملايين سوري يعيشون حاليا داخل محافظة إدلب، وفي حال نشوب أي اشتباك، فإنّ الجهة المرجّحة لهؤلاء ستكون تركيا بلا أدنى شك، وهذا يعني أنّ تركيا ستتحمّل أعباءً إضافية، لا سيما أنها تستضيف نحو 3 ملايين لاجئ سوري داخل أراضيها. 

ومن جهة أخرى، فإنّه من المعلوم وجود أعداد كبيرة من المتطرفين في إدلب، ولو انهم لا يشكلون حاليا خطرا مباشرا على تركيا، فإنه في حال حدوث اشتباكات، داخل المدينة، فلا توجد جهة تضمن عدم توجه هؤلاء المتطرفين نحو تركيا.

واستنادا لكل العوامل التي ذُكرت، فإنّ تدخل تركيا في هذه المحافظة بشكل مباشر، أمر ضروري للحفاظ على أمنها واستقرارها، وللحيلولة دون تعاظم قوة الجماعات المتطرفة الموجودة بداخلها، ولمنع القوى الأخرى من التمركز فيها بحجة مكافحة المتطرفين.

وعلى الرغم من رغبة تركيا في سيطرة قوات المعارضة المعتدلة على محافظة إدلب، إلّا أنّ أنقرة لا تمتلك حاليا المقومات والأليات التي من خلالها تستطيع تحقيق هذا الأمر، فقبل كل شيء، فإنّ جبهة النصرة تتمتع بقوة كبيرة حاليا في إدلب وتتفوق على باقي الفصائل المعارضة ولديها إدارة مركزية هناك. 

إضافة إلى ذلك فإنّ فصائل المعارضة الأخرى الذين يتفوقون على النصرة في العدد، يفتقرون إلى الوحدة فيما بينهم، وضمن هذه الظروف، فإنّ محاولة إقصاء النصرة عن المدينة سيكون له ثمن باهظ من الناحية البشرية والعسكرية والمالية.

ومع الأخذ بعين الاعتبار كل هذه الاحتمالات، فإنّ تركيا رغم الضغوط الكبيرة عليها، فإنها تتصرف بتأنّي وعقلانية، وتنتظر الظروف الملائمة للتحرك بشكل سليم في إدلب.

تحاول تركيا خلال الفترة الأخيرة، تطبيق استراتيجية متعدد الأبعاد في مكافحتها للمجموعات المتطرفة في إدلب، والبُعد الأول لهذه الاستراتيجية، يتمثل في محاولة تمزيق هيئة تحرير الشام من الداخل، ولتحقيق ذلك يتم العمل على إقناع بعض المجموعات التي تعمل تحت مظلة الهيئة، بالانشقاق عنها، وبدأت هذه المحاولات تُأتي أُكلها، حيث بدأت بعض الفصائل بالابتعاد عن الهيئة في مقدمتهم حركة "نور الدين الزنكي"، لاعتقادهم بأن الهيئة لا مستقبل لها في البلاد.

وعقب توالي الانشقاقات عن صفوف هيئة تحرير الشام، يمكن القول بأنّ الهيئة عادت إلى أصولها، وباتت مكونة من عناصر جبهة النصرة وحدهم.

والبُعد الثاني من الاستراتيجية التركية في إدلب، يتمثّل في توحيد صفوف المعارضة المعتدلة وتقويتها، وتسعى أنقرة لجمع قوات الجيش السوري الحر المشتّتين في إدلب، تحت سقف واحد، وفي هذا السياق، وجّه المجلس الإسلامي السوري أواخر أغسطس الماضي نداءً إلى فصائل الجيش السوري الحر، للتوحد وتشكيل الجيش الوطني السوري.

ومع نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، وصل عدد الفصائل التي استجابت للنداء، إلى 44 فصيلا من أصل 63 يتبعون للجيش السوري الحر المدعوم من قِبل تركيا، وبذلك استطاع الجيش السوري الحر، التوحد في إدلب إلى حد كبير.

ويُعتقد أنّ الغاية الرئيسية لتأسيس الجيش الوطني، هي تقليص نفوذ النصرة وترجيح الكفة لصالح الجيش السوري الحر في إدلب، أكثر من مواجهة قوات النظام السوري.

وعلى الرغم من محاولات إضعاف هيئة تحرير الشام في محافظة إدلب، إلّا أنها مازالت قوية على الأرض، وما زالت فصائل المعارضة متفككة، ومن الواضح أنّ التدخل الخارجي بات محتّما للقضاء على الهيئة وإضعاف قوتها.

ومنتصف سبتمبر/ أيلول الماضي، أعلنت الدول الضامنة لمسار أستانة (روسيا وتركيا وإيران) توصلها لاتفاق بإنشاء منطقة خفض توتر في محافظة إدلب، وفقًا لاتفاقٍ موقّع في مايو/ أيار الماضي.

واتفقت الدول الضامنة على تحديد حدود مناطق خفض التوتر في إدلب، والجهات التي ستتولى الحفاظ على سلامة المناطق وحماية الحدود.

وبحسب تسريبات إعلامية، فإنّ كل دولة من هذه الدول الثلاثة سترسل 500 جندي إلى إدلب، وسيتمركزون في نقاط الإشراف على مناطق خفض التوتر، وسيقومون بمراقبة عملية وقف إطلاق النار.

وهذه الخطوة ليست من أجل مكافحة هيئة تحرير الشام، إنما من أجل المحافظة على حدود مناطق خفض التوتر، ومنع تسلل العناصر المتطرفة إلى داخل تلك المناطق، فالتغلب على الهيئة وتقليص قوتها يحتاج مزيدا من القوات.

ومنذ الأسبوع الثالث لشهر سبتمبر الماضي إلى يومنا هذا، والقيادة العسكرية التركية ترسل تعزيزات إلى وحداتها العاملة قرب الحدود مع سوريا، وهذا مؤشر على أنّ لأنقرة خطة عسكرية تجاه إدلب، ربما تنفذها خلال الأيام القادمة.

ومقابل ذلك قامت هيئة تحرير الشام بإرسال أعداد كبيرة من جنودها وعتادها إلى المناطق المتاخمة للحدود التركية، مثل أطمة وباب الهوى، ويبدو أنّ نشوب اشتباكات بين القوات التركية وعناصر الهئية، بات مسألة وقت لا أكثر.

ففي حال نشوب هذا الاشتباك، فإنّه من المتوقع أن تسيطر القوات التركية على معبر باب الهوى والمناطق القريبة منها، وبذلك تكون قد شكلت منطقة آمنة داخل الأراضي السورية، من شأنها استيعاب اللاجئين الذين قد يتوافدون نحو الأراضي التركية، ومنعت في الوقت نفسه تسلل المتطرفين إلى أراضيها.

وإذا نظرنا إلى محافظة إدلب من منظور النظام السوري وإيران وروسيا، فإنها تبدوا حاليا مشكلة أكبر من أن يتمكّنوا من التغلب عليها في الوقت الراهن، فالتحالف الثلاثي يصبّ اهتمامه في الفترة الحالية للجبهة الشرقية التي تشكّل محافظة دير الزور مركزها، وتجميد جبهة إدلب في المرحلة الراهنة، حل يناسب هذا التحالف حاليا.

وعلى الرغم من ذلك فإنّ تركيا لا تمتلك مزيدا من الوقت للتدخل من أجل حل مشكلة إدلب، فمع الغارة الأخيرة التي شنتها المقاتلات الروسية على المحافظة، زادت الضغوط على تركيا، فإنّ قررت تركيا دخول إدلب عبر عملية مماثلة لدرع الفرات، فإنّ فرصة إقامة نفوذ لها في تلك المنطقة تبدو قوية، لا سيما أنها قوية في هذه المحافظة أصلا.

وإنّ دخول تركيا عسكريا إلى محافظة إدلب، يعزز من دورها في حل الأزمة السورية، ويقلل من المخاطر الناجمة عن المجموعات المتطرفة الموجودة في هذه المدينة.

ولكن يجب عدم علينا ألّا ننسى بأنّ الأعباء المالية لدخول الجيش التركي إلى إدلب ليست قليلة، فهيئة تحرير الشام وإنّ فقدت من قوتها بعض الشيء خلال الفترة الأخيرة، إلّا أنها ما زالت قوية ولديها الآلاف من المقاتلين، وما زالت تسيطر على أهم المواقع الاستراتيجية في إدلب.

والأهم من ذلك فإنّ عناصر هيئة تحرير الشام لا مكان يفرّون إليه في حال شنت القوات التركية هجوما عليهم، وهذا يزيد من إصرارهم على الصمود والتصدي.

ومع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة التركية أنقرة مساء الخميس الماضي، زاد الحديث عن احتمال شن القوات التركية حملة برية على محافظة إدلب رغم كافة المخاطر التي ذُكرت مسبقا.






الكاتب أويتون أورهان
خبير في مركز الشرق الأوسط للبحوث الاستراتيجية
نيوز سنتر - news center

المركز السوري للأخبار والدراسات
#أخبار_سوريا
#عربي_ دولي
#الأخبار_ برؤية مختلفة







المركز السوري للأخبار والدراسات



أضف تعليق