الشيخ إبراهيم سلقيني الكبير.. نموذج متميز من العلماء الربانيين

سبع عشرة قافلة تخرجت بين يديه كانت ثراء بالعطاء ببركة هذا العالم الميمون

 الشيخ إبراهيم سلقيني الكبير.. نموذج متميز من العلماء الربانيين
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

إننا أمام نموذج متميز  من العلماء الربانيين , الذين يسري حالهم إلى المستمعين قبل مقالهم , وتدخل كلماتهم إلى القلوب فتهزها , وتُخْرِجُ لآلئَ الدمع من المآقي على الوجنات , إننا أمام علماء يهابهم الطلبة إجلالاً وإعظاما وحباً , ويوصي بعضهم بعضاً بالانضباط القلبي من الخواطر الفاسدة , قبل انضباط الأجسام من الحركات الشاردة . إننا مع العلم الأول من هذه الأسرة المباركة : ” الشيخ إبراهيم سلقيني “ . 1847م-1947م

أولاً : المولد والنشأة :
الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد بن الحاج سعيد خطيب المشهور بالسلقيني .
ولد في مدينة حلب عام 1847م تقريباً ، في أسرة عرفت بالعلم والتقوى , وتلقى العلوم الشرعية والعربية عن كبار علماء زمانه , أمثال : الشيخ محمد الجزماتي , والشيخ محمد بشير الغزي , والشيخ محمد عبد المعطي , والشيخ بكري الزبري ، وغيرهم .
ولعلّ أكثر أساتذته تأثيراً في تكوينه العلمي والده الشيخ محمد سلقيني, الذي أخذ عنه علوم الحديث والتفسير ، واللغة العربية نحوها وصرفها وبلاغتها .
وبرع في التفسير والحديث , وفي الفقه والأصول وعلوم الأخلاق , إضافة لعلوم العربية .
توفي عام 1947م .
ثانياً : المدارس العلمية التي علّم فيها :
قام بالتدريس في مدارس حلب ومساجدها سنين طويلة , منها : الإسماعيلية , والقرناصية , والخسروية , وتخرج على يديه عدد كبير من العلماء , ومعظم علماء حلب المشهورين .
ـ كما قام بتأسيس المدرسة الخسروية التي كانت بمستوى علمي يعادل كلية جامعية الآن , بعد أن كانت مكاناً خرباً مهجوراً , ودرس فيها سنين طويلة العلوم الشرعية بفروعها , والعربية من نحو وصرف ...
ـ كان يخطب الجمعة في جامع الطواشي (بباب المقام) بحلب أكثر من خمسين سنة ؛ يفتي السائلين وطلاب العلم ويدرس , ولذلك كان انصرافه للتدريس أكثر من التأليف .
ثالثاً : التكوين العلمي ، أو أثر الشيوخ فيه :
1ـ من شيوخه : سألت أستاذنا الشيخ محمد ـ رحمه الله ـ عن مشايخ والده ، فقال : أدرك الترمانيني صغيراً . وذكر من مشايخه بيت السلطان ، فلعله الشيخ عبد الله سلطان جد الشيخ عبد الله سلطان زميل شيخنا محمد سلقيني ، والذي له ترجمة في أعلام النبلاء برقم (1305) ، والمتوفى عام 1324هـ .
2ـ سفره للعلم : ذكر الطباخ في كتابه ما يدل على أنه تلقى تعليماً في الجامع الأزهر .
فقد قال الطباخ : ” وبالجملة كان فقيهاً ، نحوياً ، منطقياً ، أصولياً ، فرضياً ، شاعراً . وبعد عودته من الأزهر عُيّن محدثاً في الجامع الأموي بحلب, ومدرساً في مدرسة آبائه الإسماعيلية “ .
3ـ شيخه في الطريقة : وكان الشيخ إبراهيم سلقيني ـ إضافة لإمامته للعلم الشرعي في الفقه والأصول والتفسير والعربية ـ شيخاً مربياً مرشداً في الطريقة الرفاعية والبدوية ، وقد أخذ ذلك عن الشيخ محمود النابلسي الشهير بأبي الجدايل . كما أفادني بذلك أستاذنا الشيخ محمد ـ رحمه الله تعالى ـ .
ذكر الغزي نقلاً عن الشيخ إسماعيل صادق بن كمال باشا ـ شيخ الحرمين ـ في كتابه مناقب الأولياء والصالحين ، أن أبا الجدايل هذا هو الشيخ محمود, وأنّه كان منزوياً عن الناس, وله عدة كرامات, توفي سنة 1271هـ، وهو مدفون في زاويته التي وقفها سنة 1271هـ ، وشرطها لخلفائه ( ).
رابعاً : العمل في نشر العلم :
لقد شملت دروس الشيخ كل المواطن المؤثرة في المجتمع من حوله : فدرس في أسرته ، وفي المسجد ، والمدرسة .
ـ في الأسرة :
يقول أستاذنا الشيخ إبراهيم الذي أدرك جده : حفظني الألفية ، ومجموعة المتون ، وعدد كبير من سور القرآن ؛ ولم أتجاوز العاشرة . وكنت أستظهر له القرآن الكريم . ولما توفي كان عمري ثلاثة عشر عاماً .
وقال فيه حفيده الشيخ عبد الله : كان يحفظني ويقرؤني القرآن دون سن العاشرة , وكان كثيراً ما يقول لي : غداً ستندم إذا لم تستفد من شيخك الذي في بيتك .
ـ المسجد :
كان الشيخ إماماً وخطيباً لجامع الطواشي لمدة من الزمن تربو على خمسين عاماً .
وكان قبل ذلك إماماً في أحد مساجد المدينة قريباً من باب الفرج , ثم انتقل إلى جامع الطواشي .
خامساً : دروس الشيخ العلمية :
1ـ كان شيخاً للمدرسة الخسروية ؛ قام بترميمها وإعمارها مع الشيخ رضا الزعيم ـ مفتي الجيش العثماني في حلب ـ والذي كانت له الأيادي البيضاء على مدينة حلب ؛ على أوقافها ومساجدها ومدارسها .
2ـ درّس الشيخ في المدرسة الخسروية مع كوكبة من أهل العلم والتقى والفضل ، وكان يدرس النحو والفقه والأخلاق .
3ـ من طرائف تدريسه في النحو ، أن الطلبة كان يحذر بعضهم بعضاً من الخواطر السيئة عند دخولهم لدرس الشيخ ؛ لأن الشيخ كان ملهماً .
4ـ كان درس النحو عند الشيخ إضافة للعلم درس في التربية والسلوك والأخلاق الفاضلة . كما ذكر لنا ذلك الوالد الشيخ محمد علي المسعود ـ رحمه الله تعالى ـ مراراً في معرض ثنائه على شيخه , وقد روى لنا القصة التالية :
من لطيف ما يرويه تلميذه وأستاذنا العلامة الشيخ عبد الوهاب سكر رحمه الله تعالى حين دراسته عليه في المدرسة الخسروية قال : وقع في خاطري أن أترك الدراسة في الخسروية ، لأن شهادتها ليست كشهادة الأزهر ، وأن أذهب وألتحق بالأزهر الشريف ، وقوي هذا الخاطر في نفسي كثيراً ، فلما دخلت درس الشيخ قال في درسه : يا أبنائي ؛ إن للشيطان حيل ومصائد ، فقد يأتي للطالب فيقول له : إن هذه الدراسة لا شهادة لها ، فلماذا تتابع هنا ؟! فاترك الدراسة واذهب للأزهر , فإن شهادته معتبرة أكثر , فيكون قَطَعَهُ من العلم هنا , ولم يَتَسَنَّ له الذهاب إلى هناك , فاحذروا مصائد الشيطان .
قال شيخنا عبد الوهاب : فقلت له على الفور : شيخي من قال لك ذلك ؟!
فقال : يا بنيّ ؛ إنني أضرب مثالاً , تورية وستراً من الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ لمقامه الذي حبَاهُ الله إيّاه .
5ـ قال حفيده الشيخ الدكتور عبد الله سلقيني : قال لي الشيخ الدكتور معروف الدواليبي رحمه الله تعالى ـ تلميذ الشيخ إبراهيم الكبير ـ : كان الشيخ يدرسنا النحو وإعراب القرآن , ويكتب الآية على السبورة ثم يعربها ويسألنا عنها , ثم يبدأ في تفسيرها , فيبكي ويبكينا معه إلى آخر الدرس . فكان من أكثر المشايخ الذين أثروا فينا الشيخ إبراهيم ـ رحمه الله تعالى ـ .
6ـ قال أستاذنا العلامة الشيخ عبد الله سراج الدين ـ رحمه الله ـ : كان يدرسنا النحو ويَنحُو بنا . أي إلى السموّ والارتقاء .
7ـ قال أستاذنا الشيخ محمد أديب حسون ـ رحمه الله ـ في معرض الثناء على شيخه : كان يقرأ لنا في دروس النحو ، وأثناء الدرس يأتي بعبارات تُرقق القلوب وتُدمع العيون ، فكان يبكي في درسه ، فوالله كأني الآن بين يديه وهو يتكلم وهو يبكي رضوان الله عليه .
سادساً : في التربية السلوكية والإيمانية :
كان شيخ السجادة في المدرسة الخسروية ، أي شيخ حلقة الذكر فيها, ثم حول الحلقة إلى المدرسة السّباهية المجاورة لمنزله ، وكانت طريقتهُ في الذكر هي الذكر الجماعي , فيجلس الشيخ والحضور ويذكرون الله جلوساً بوقار وخشوع .
سابعاً : أثر الشيخ العلمي :
إذا أردنا أن نعرف أثر الشيخ العلمي في المدينة وأهلها فلنعلم أن كل من تعلم في الخسروية ـ قبلة العلم في حلب وفي الجمهورية العربية السورية آنذاك ـ من عام تأسيسها 1922م ـ أو قبل ذلك ـ حتى عام 1937م له عليهم فضل العلم , ولهم شرف الانتساب إليه .
وهم سبع عشرة قافلة تخرجت من المدرسة الخسروية ، وقد أحصيت من هؤلاء الخريجين ما تعداده /225/ عالماً ، عدا الكثير غيرهم توزعوا في أنحاء القطر العربي السوري يحملون مشعل العلوم الشرعية والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة , فانظر يرعاك الله إلى ثراء هذا العطاء وبركة هذا العمل الميمون . فإذا أردنا أن نذكر من هؤلاء الأعلام الذين كانوا نجوماً في سماء العلم والمعرفة ـ الذين زين الله بهم البلاد ، وأنقذ بهم العباد ـ نذكر على سبيل المثال لا الحصر ( ) :
القافلة الأولى (تموز 1926م/1345هـ) :
السادة المشايخ : عبد الله الحماد ، وبشير التادفي ، ومحمود لامع الأريحاوي ، وناجي المنصوري ، وعبد الله خير الله ، ومحمد بلنكو ، ومحمد الحكيم ، ومصطفى نجيب ـ رحمهم الله تعالى ـ .
القافلة الثانية (تموز 1927م/1346هـ) :
الدكتور معروف الدواليبي ، والسادة المشايخ : ناجي أبو صالح ، وأمين عيروض ، وعبد القادر الكوراني ، ومحمد غازي التادفي ، ومحمد خلوف التادفي ، وعمر البوشي ، وعوني الإخلاصي ، وعبد الله الريحاوي ـ رحمهم الله ـ .
القافلة الثالثة (تموز 1928م/1347هـ) :
السادة المشايخ : صبحي الصباغ ، وعبد القادر كرمان ، ونجيب الآلا الخياطة ، وصبحي الريحاوي ، وأحمد أبو صالح ، وكامل السرميني ، ومحمد العثمان ، ومحمد البكار ، وعبد الغفور السرميني ، ومحمد علي الكحال ـ رحمهم الله ـ .
القافلة الرابعة (تموز 1929م/1348هـ) :
السادة المشايخ : أحمد القلاش ، وبرهان الدين الجركسي الداغستاني، ومحمد الناصر ، وسعيد المسعود ، ومحمد السلقيني ، ومصطفى المزراب ، ومحمد الخليلو، ومصطفى المارعي ، وحمام النعساني ، وعبد الرحمن حوت، وعبد الله الأسود ، ومحمد نور البلاط ، وعبد الله سلطان ، وعمر حجو ، وحسن الحموي ـ رحمهم الله ـ .
القافلة الخامسة (تموز 1930م/1349هـ) :
السادة المشايخ : يونس معرتمصريني ، وأسعد طلس ، وعبد الحميد رجب ، وكامل أبو صالح ، وأحمد السعيد الأبزماوي ، ومحمد الآلا ، ووجيه المعطي ، وزكي الكيالي ـ رحمهم الله ـ .
القافلة السادسة (تموز 1931م/1350هـ) :
السادة المشايخ : عمر الآلا ، وعمر المكناس ، وأحمد السنجقدار ، وعبد القادر الحمصي ، وبشير السياد ، وحسن بركات ، وبكري رجب ، ومحمد المعدل ، ومحمد زين العابدين ، ومحمد السماقية ، وعبد الغني أبو رشيد ، وعبد المحسن خير الله ، وبشير التلرفادي ، وحقي راغب آغا ، وعبد الرحمن قرابلي .
القافلة السابعة (تموز 1932م/1351هـ) :
السادة المشايخ : أحمد الحصري ، وعارف اللبابيدي ، وعبد الرحمن العيان ، ومحمد الغشيم ، وسعيد الحمال ، وعبد الهادي النيال ، وطه العنجاري ، ومحمد الملاح ، ويحيى الحصور ، وكامل الريحاوي .
القافلة الثامنة (تموز 1933م/1352هـ) :
السادة المشايخ : محمد الحامد الحموي ، وعبد الله المصري ، ومحمد الطراب ، ونور الدين الحبال ، وأحمد الشايط ، ومحمد الخطيب ، ورضوان النيال ، وفؤاد فيرو ، وإبراهيم الكردي ، وطاهر الخطيب ، ومصطفى ياسين ، وصالح ترمانيني ، وأحمد السرمدي ، ومحمد الجوخدار .
القافلة التاسعة (تموز 1934م/1353هـ) :
السادة المشايخ : سليم الرفاعي ، وعبد الباسط خلف ، ومحمد الياقتي، وأحمد المايري ، ومحمد أديب الياقدي ، وعبد الله الحلاق ، ونور الدين الخطيب ، وعبد الجواد العطار ، ومحمود الأبزماوي ، وعبد الرحمن الصباغ ، وعبد القادر بللو .
القافلة العاشرة (تموز 1935م/1354هـ) :
السادة المشايخ : صالح النعمان ، ومحمد مراد الحموي ، ومفيد خير الله، وخالد الدلال ، وحسن العاروني ، وأحمد سعيد ، وحمادة العنداني ، وعمر عنداني ، ونوري النائب المخبي ، وعاكف حبال ، ومحيي الدين حللي ، ومحمد علي المسعود ، ومحمد زعتري ، وحسين قرقناوي ، وأحمد عزيزي ، ومحمد خير شيخوني ، وإبراهيم الطنجير .
القافلة الحادية عشرة (تموز 1936م/ 1355هـ) :
السادة المشايخ : محيي الدين العسالي ، وكامل بدر ، ومحمد شريف النبكي ، ومحمد نسيب النكبي ، ومنير الطحان ، وحمدان الصالح ، وعبد الله زعيتر ، وعلي الحلو ، وعبد الله الحاج ، وعبد الله الأمير ، وأحمد الكعكة، وعلي عرب ، وأحمد طرابلسي ، ولطفي البطل ، وبكري المارعي، وجمعة أبو زلام .
القافلة الثانية عشرة (تموز 1937م/ 1356هـ) :
السادة المشايخ : عبد الفتاح حميدة ، وسعيد المسن ، ومحمد نافع السنكري ، وسعيد الحمد ، وعلي عثمان ، ومحمد بشير السيد أحمد ، ومصطفى المارعي ، وعبد القادر الشامي ، وحمادي عبد الناجي ، وعلي الوضيحي ، وإبراهيم الحاج ، ومحمد خير المارعي ، وحسن الهاشم ، وعبد القادر ولي الأنطاكي ، وعبد الله الأخرس .
فهؤلاء الأعلام من غَرسِ وثمرات الشيخ اليانعة ، وكل واحد منهم علم ـ ليس على مستوى مدينة حلب وبلاد الشام فحسب ـ بل يتعداها إلى العالم العربي والإسلامي .
ثامناً : قائمة بالأساتذة زملاء الشيخ في التدريس :
1ـ الشيخ عمر المارتيني : مدرس الفقه الشافعي .
2ـ الشيخ أحمد الزرقا : مدرس الفقه الحنفي .
3ـ الشيخ محمد الناشد : مدرس النحو والبلاغة .
4ـ الشيخ أسعد العبجي : مدرس الفقه الشافعي والنحو .
5ـ الشيخ فيض الله الكردي : مدرس التوحيد والمنطق .
6ـ الشيخ حسين الأورفلي : مدرس الأصول .
7ـ الشيخ راغب الطباخ : مدرس السيرة والحديث .
8ـ الشيخ أحمد الشماع : مدرس التفسير .
9ـ الشيخ سعيد الإدلبي : مدرس الفقه الشافعي .
10ـ الشيخ عبد الله المعطي : مدرس الفرائض .
11ـ الشيخ عيسى البيانوني : مدرس الأخلاق .
12ـ الشيخ عمر مؤذن : مدرس القرآن والتجويد .
13ـ الشيخ أبو الفضل الكيلاني : مدير المدرسة .
تاسعاً : أعماله الخيرية والاجتماعية :
1ـ كان متولياً على مسجد الطواشي في محلة باب المقام سنة 1322هـ. وفي أثناء توليته عمَّر الرواق الغربي ، واستلمته منه دائرة الأوقاف سنة 1341هـ ، واشتهر هذا المسجد إضافة لجامع الطواشي بجامع السلقيني ، وذلك لتعاقب هذه الأسرة المباركة على المسجد إمامةً وخطابةً وتدريساً وإقامةً لحلقات الذكر ، بدءاً من الشيخ إبراهيم الكبير ، وشيخنا الشيخ محمد، وأستاذنا الشيخ إبراهيم .
2ـ المدرسة السباهية :
أ- ذكر شيخنا الدكتور محمد فوزي فيض الله ـ حفظه الله ـ أن في عداد أشياخه الشيخ إبراهيم سلقيني الكبير .
قال : حضرتُ على الشيخ إبراهيم سلقيني الكبير ( الجد) درساً خاصاً في النحو , في حيّ باب المقام في المدرسة السباهية . قرأت فيه مع الشيخ عبد الفتاح أبوغدة شرح الأزهرية في النحو . وكان الشيخ يقرأ لهم الدرس وقد جاوز التسعين وهو صائم .
وكان سماحة الشيخ إبراهيم الحفيد وأخوه الشيخ عبد الله يجلسان معهما في الحلقة وهما في منتهى الصغر ، ومع ذلك كانا في غاية الأدب , وكان جلوسهما حضور بركة لا جلوسَ علم .
قال حفظه الله : وكان درس الشيخ نصفه في ” الأزهرية “ ، ونصفه الآخر : توجيه وخشوع وبكاء وتصوف , وتعليمٌ لقيام الليل , واعتراف بالتقصير في حقوق الله وحقوق أوليائه .
ب ـ كان يقيم حلقات الذكر في حارة دخلة الحوارنة ” المدرسة السباهية “ يوم الأحد ليلة الاثنين ، وكان بيته ملاصقاً للمدرسة ، وفيها باب نافدٌ إليه .
أقول : رأيت هذا البابَ ـ مسدوداً ـ عند زيارتي للمدرسة .
3ـ في الحياة الاجتماعية والسياسية :
كان في عام 1912م عضواً منتخباً عن مدينة حلب عن محلة ” ساحة بزّة “ وتوابعها مع الحاج محمد الميسر , وأعضاء مدينة حلب بدورهم هم الذين ينتخبون ستة أعضاء عن ولاية حلب في مجلس المبعوثان ” المجلس النيابي “ في القسطنطينية .
4ـ العمل والعلم :
كان الشيخ يعمل في النسيج ” النول العربي “ ، وكان ذلك مقابل منزله في باب المقام . وله محل هناك على الجادة , يكسب منه الرزق الحلال لأهله وأسرته , قبل أن توجه إليه الوظيفة في الأوقاف .
عاشراً : جانب العبادة :
كان الشيخ حافظاً لأكثر القرآن ، وكثير الصلاة والتهجد والبكاء من خشية الله تعالى ، حتى كُفَّ بصره في آخر عمره , ولكن الله عوضه زيادة في البصيرة , فكان أثره في الحاضرين من طلاب وعامة الناس ظاهراً .
ومن إتقانه للقرآن تلاوة وحفظاً واستماعاً ماحكاه حفيده الشيخ الدكتور إبراهيم ـ حفظه الله تعالى ـ قال : في اللحظات الأخيرة من حياة الشيخ كنتُ أقرأ له سورة الأنفال , وفي أثناء التلاوة أخطأت في تلاوة آية , فأشار إليّ بيده , حيث كان لا يقوى على الكلام , فاستدركتُ .
الحادي عشر : من كرامات الشيخ :
1ـ إطفاء النار في المدرسة الخسروية :
كان للشيخ غرفة يقيم بها في الخسروية , يدرّس فيها الطلبة الذين يفدون إليه للتعلم . وذلك قبل افتتاح المدرسة الخسروية عام 1922م.
وكان يقيم بها إضافة إلى مجالس العلم حلق الذكر ـ وكما أسلفنا أنه كان مرشداً ومربياً ـ ، وكانت قباب المدرسة الخسروية يعلوها الحشيش , فإذا يبس أصبح هشيما تذروه الرياح , وتعرَّض هذا الهشيم لشررٍ من النار فالتهبَ، وتتطاير الشرر واشتد أوَارُ النار , ففزع الناس واستنجدوا بالشيخ, فخرج الشيخ من غرفته ولسان حاله يقول ـ وراثة نبويَّة ـ : لن تُراعوا . وحرّك الشيخ رداءه من الأسفل باتجاه النار نحو الأعلى والأسفل ، والتي كانت تلتهم الأسطحة ، فأخمدت النار .
فهل هي وراثة عمرية أن يفعل رداء الشيخ في إطفاء النار , كما فعل رداء عمر حين أرسله مع أحد رجاله يتبع به النار قائلاً لها إنه رداء عمر حتى خمدت النار ؟!
أم أنّ من أطاع الله أطاعه كل شيء ؟! أم كلاهما ؟! ولعله الأرجح .
2ـ يا لطيف :
ذهب ولده الشيخ محمد بصحبة بعض العلماء ـ ومنهم الشيخ أحمد الشماع ـ في نزهة شمالي حلب بجانب ” قناة حيلان “، ومعه أولاده الصغار، ومنهم ابنه الصغير عبد الرحمن ولمَّا يتجاوز الثالثة من عمره ، فوقع في القناة في غفلة عن والده . فكان الشيخ إبراهيم في منزله يصيح : يا لطيف يا لطيف. وتدارك الوالد الشيخ محمد الولد وأخرجه من القناة دون أن يغرق . فهل كان ذلك بسماع الشيخ نداءَ والده من بعيد ، فشابه بذلك الحادثة العمرية ، حين نادى : يا سارية الجبل ؟! أم أنه توجه إلى قلب ولده فانتبه ، فتحرك قلبه تجاه ولده فأنقذه من الماء ؟ أم هما الاثنان معاً ؟ لا أستبعد ذلك.
3ـ حضوره في عالم المنام على ولده الشيخ محمد :
ذهب ولده الشيخ محمد مع زوجته إلى الحج بعد وفاة والده ، وكان ولده أحمد صغيراً ، فتسلّق السطح وركب الجدار .
فخشيت خالته ـ التي كانت ترعاه مع إخوته في فترة سفر الشيخ ـ من سقوطه إلى الشارع إنْ هي نادته وزجرته , وأسْقط في يدها فلم تدر ما تفعل ؟! ثم تدارك الله الموقف باللطف فنزل بنفسه عن الجدار .
فحضر الشيخ إبراهيم (بعد وفاته) في الرؤيا على ولده الشيخ محمد وقال له : انتبه لولدك أحمد . فلما عاد الشيخ سأل : ماذا حدث لأحمد ؟ فأخبروه بالقصة .
4ـ شكره لنعم الله :
ذكر لي الشيخ العلامة محمد عوامة ـ حفظه الله ـ عندما زرته في المدينة المنورة فقال :
” لقد تشرّبتُ محبة الشيخ وأولعتُ به , لشدة محبة والدي له وكثرة ذكره لنا , فقد كان الشيخ في حيِّنا , وكان والدي ملازما له “ .
ثم قال : ” قدم أستاذنا الشيخ محمد إبراهيم سلقيني ـ رحمه الله ـ المدينة المنورة مع ولده وابنته وأسرتهم , فدعوتهم إلى مزرعة من مزارع المدينة المنورة ، وقمت بواجب حق الضيافة لشيخنا , فقال لي : هذه الجلسة نعمة تحتاج إلى شكر . أحدثك عن والدي : فقد خرجنا في صبيحة أحد الأيام لظاهر مدينة حلب بغية التنزه , فأعدّ النساء طعام الفطور , وقالوا: ادعُ الشيخ ، فقد برد الطعام . فجئتُ ووالدي يصلي فهبتُ أن أكلمه حتى أنهى الصلاة , فقال لي : هذه تمام مائة ركعة شكراً لنعمة الله “ ( ) .
5ـ رده للسلام وهو ميت :
قال الشيخ محمد عوامة ـ حفظه الله ـ : ” كان من عادة أبي أن يصحبني صبيحة كل جمعة لزيارة والده وزيارة الشيخ في المقبرة. وفي إحدى المرات كان والدي متعباً ولم يذهب ، فذهبتُ بمفردي , وكان عمري آنذاك سبعة عشر عاماً، وكان الوقت قبيل شروق الشمس, فلما وقفتُ تجاه قبر الشيخ قلتُ : السلام عليكم ورحمة الله , فسمعتُ : وعليكم السلام ورحمة الله . فأخذتني الخشية ، والتفتُ يميناً وشمالاً فلم أرَ أحداً ، ثم تمالكتُ نفسي ، ثم سمعتهُ ثانية يقول : يهطل المطر بين الصلاتين (ما بين صلاة الجمعة وصلاة العصر)، وكان الناس في قحط شديد ، فنزل المطر بفضل الله في ذلك اليوم “ ( ) .
6ـ من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب :
أضاف فضيلة الشيخ محمد عوامة, بعد ذكره للحديث القدسي الشريف: ” إِنَّ اللَّهَ قَالَ : مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ “ ( ) ، قال : ” كان الشيخ إبراهيم الكبير قيماً لجامع الطواشي ، وكان هناك رجل يتهم الشيخ بسوء الأمانة ، وزاد من قالة السوء تجاه الشيخ , وكادت تحدث فتنة بين محبي الشيخ وجماعة هذا الرجل , فقام أحد وجهاء الحيّ وجمع بين الشيخ وهذا المتنفذ وجماعته , درءاً للفتنة , وجاء الشيخ بسجلاته . ولدى التدقيق والتحقيق تبين أن حسابات الشيخ كلها صحيحة ودقيقة ، بل وإن الشيخ يدفع من ماله للمسجد أكثر من وارداته . وبقي هذا الرجل ـ بعد كل هذا ـ مغاضباً للشيخ , فأخذ الشيخ يدعو عليه , فابتلاه الله تعالى بمرض عضال وهو في ريعان شبابه ومات منه ( ) .
7ـ انتبهوا إلى تغيّر قلب الشيخ :
كان الطلاب يوصي بعضهم بعضاً ، ويحذرون من تغيّر قلب الشيخ , أو الإساءة في درسه , فإن من يفعل ذلك لا يوفقه الله لتكميل تحصيل العلم والنجاح في الحياة . وهذا مستفيضٌ مشهورٌ عنه .
الثاني عشر : وفاة الشيخ :
توفي الشيخ يوم الثلاثاء 19/محرم/1367هـ، الموافق 3/12/1947م، عن عمر يناهز المائة عام .
صُلي عليه في جامع الطواشي ، ودفن في المقبرة الوسطانية ” السفيرة “ المجاورة للشيخ جاكير ، حضر جنازته كبار علماء سورية ، فحضر الشيخ محمد أبو النصر الحمصي بعد وفاته مباشرة ! فسألوه عن ذلك فقال : إننا نشم ما لا تشمونه .
وكانت جنازة حافلة .
الثالث عشر : شهادة علماء عصره :
لاشك أن اختياره مدرساً في الخسروية والمعاهد الأخرى , وتخريجه لأجيالٍ من العلماء والأولياء والصالحين ، يعتبر بمثابة وسام على صدر الشيخ رحمه الله تعالى ، ويضاف إلى ذلك ما أثبتناه من شهادات العلماء من طلابه من أمثال :
1ـ الشيخ الدكتور معروف الدواليبي .
2ـ الشيخ عبد الوهاب سكر .
3ـ والشيخ عبد الله سراج الدين .
رحم الله الجميع وأجزل لهم المثوبة .




نيوز سنتر - بورتريه







المركز السوري للأخبار والدراسات



أضف تعليق