الشيخ محمد الغزالي: الشعوب العربية لابد أن تلعن عبد الناصر الذى ابتلاهم بزعماء كالقذافى وحافظ الأسد

أديب الدعوة المجاهد بالكلمة والقلم لتحريك الشعوب لرفع الظلم عن نفسها والدفاع عن وطنها المغتصب

الشيخ محمد الغزالي: الشعوب العربية لابد أن تلعن عبد الناصر الذى ابتلاهم بزعماء كالقذافى وحافظ الأسد
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

يعتبر الغزالي أحد دعاة الفكر الإسلامي  في العصر الحديث، عرف عنه تجديده في الفكر الإسلامي وكونه من "المناهضين للتشدد والغلو في الدين" كما يقول أبو العلا ماضي , كما عُرف باسلوبه الأدبي الرصين في الكتابة واشتهر بلقب أديب الدعوة. سببت انتقادات الغزالي للأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي العديد من المشاكل له سواء أثناء إقامته في مصر أو في السعودية.

الشيخ محمد الغزالي عالم جليل وشيخ فاضل كان له أعظم الأثر في الدعوة الإسلامية في واقعنا المعاصر؛ ففي 22 سبتمبر 1917م وُلد الشيخ محمد الغزالي، الذي يعد واحدًا من دعاة الإسلام العظام، ومن كبار رجال الإصلاح، اجتمع له ما لم يجتمع إلا لقليل من النابهين؛ فهو إلى جوار إيمانه الصادق، مجاهد داعية، عاش لإسلامه وعقيدته ونذر حياته كلها لخدمته، وسخر قلمه وفكره في بيان مقاصده وجلاء أهدافه، وشرح مبادئه، والذود عن حماه، والدفاع عنه ضد خصومه، لم يدع وسيلة تمكنه من بلوغ هدفه إلا سلكها في تبليغ ما يريد.

نذكر الشيخ محمد الغزالي الذي افتقدنا بوفاته جرأته في الحق، وفهمه العميق لقضايا الأمة، ونظرته في تجديد الحياة، وما زلنا نفتقد الأخلاق التي أصَّلها، والعقيدة التي يسرها وثبَّتها، وذبَّه عن الإسلام ما ليس فيه، ودفاعه عن الشريعة ضد مطاعن أعدائها، ونفتقد صدعه بالحق رغم مرارته.



الشيخ الغزالي النشأة والمنبت الفكري
ولد الشيخ محمد الغزالي في قرية "نكلا العنب" التابعة لمحافظة البحيرة بمصر في (5 من ذي الحجة 1335هـ الموافق 22 سبتمبر 1917م)، ونشأ في أسرة كريمة، وتربى في بيئة مؤمنة؛ فحفظ القرآن، وقرأ الحديث في منزل والده، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي، وظل به حتى حصل على الثانوية الأزهرية، ثم انتقل إلى القاهرة سنة 1356هـ والتحق بكلية أصول الدين.

وفي أثناء دراسته بالقاهرة اتصل بالإمام حسن البنا -مؤسس جماعة الإخوان المسلمين- وتوثقت علاقته به، وأصبح من المقربين إليه، حتى إن الإمام البنا طلب منه أن يكتب في مجلة "الإخوان المسلمين" لما عهد فيه من الثقافة والبيان؛ فظهر أول مقال له وهو طالب في السنة الثالثة بالكلية، وأصبح له باب ثابت تحت عنوان "خواطر حية"، وكان البنا لا يفتأ يشجعه على مواصلة الكتابة حتى تخرج سنة 1940م ثم تخصص في الدعوة، وحصل على درجة "العالمية" سنة 1943م، وبدأ رحلته في الدعوة في مساجد القاهرة.
وفي عام 1945 كتب حسن البنا إلى محمد الغزالي يقول له :
محمد الغزالي أخي العزيز الشيخ محمد الغزالي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد، قرأت مقالك (الإخوان المسلمون والأحزاب) في العدد الأخير من مجلة (الإخوان) فطربت لعبارته الجزلة ومعانيه الدقيقة وأدبه العف الرصين. هكذا يجب أن تكتبوا أيها الإخوان المسلمون.. اكتب دائماً وروح القدس يؤيدك، والله معك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ومن يومها أطلق الإمام حسن البنا على الشيخ الغزالي لقب ” أديب الدعوة ”.
ثم لم يلبث أن ظهر أول مؤلفات الشيخ الغزالي بعنوان "الإسلام والأوضاع الاقتصادية" سنة 1947م، أبان فيه أن للإسلام من الفكر الاقتصادي ما يدفع إلى الثروة والنماء والتكافل الاجتماعي بين الطبقات، ثم أتبع هذا الكتاب بآخر تحت عنوان "الإسلام والمناهج الاشتراكية"، مكملاً الحلقة الأولى في ميدان الإصلاح الاقتصادي، شارحًا ما يراد بالتأمين الاجتماعي، وتوزيع الملكيات على السنن الصحيحة، وموضع الفرد من الأمة ومسئولية الأمة عن الفرد، ثم لم يلبث أن أصدر كتابه الثالث "الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين".

والكتب الثلاثة تبين في جلاء جنوح الشيخ إلى الإصلاح في هذه الفترة المبكرة، وولوجه ميادين في الكتابة كانت جديدة تمامًا على المشتغلين بالدعوة والفكر الإسلامي، وطرْقه سبلاً لم يعهدها الناس من قبله، وكان همُّ معظم المشتغلين بالوعظ والإرشاد قبله الاقتصار على محاربة البدع والمنكرات[1].

ظل الشيخ محمد الغزالي يعمل في مجال الدعوة حتى ذاعت شهرته بين الناس لصدقه وإخلاصه وفصاحته وبلاغته، حتى هبّت على جماعة "الإخوان المسلمين" رياح سوداء؛ فصدر قرار بحلها في 1948م ومصادرة أملاكها والتنكيل بأعضائها، واعتقال عدد كبير من المنضمين إليها، وانتهى الحال باغتيال مؤسس الجماعة رحمه الله، وكان الشيخ الغزالي واحدًا ممن امتدت إليهم يد البطش والطغيان، فأودع معتقل الطور مع كثير من إخوانه، وظل به حتى خرج من المعتقل في سنة 1949م، ليواصل عمله وهو أكثر حماسًا للدعوة، وأشد صلابة في الدفاع عن الإسلام وبيان حقائقه.

وكان الغزالي دائمًا ما يذكر أهلَ الفضل بالفضل، ولو اختلف معهم، وكثيرًا ما يذكر فضل شيوخه عليه، وتأثره بهم؛ فهو يقول مثلاً عن الشيخ البنا رحمه الله: "وإني أعترف -رادًّا الفضل لأهله- بأني واحد من التلامذة الذين جلسوا إلى حسن البنا، وانتصحوا بأدبه، واستقاموا بتوجيهه، واستفادوا من يقظاته ولَمَحَاته".

كما عُرف عن الشيخ أنه كان رقيق القلب، أما التحدي فيثير فيه الغضب، ولعل هذا مما أثار عليه حفيظة الكثيرين؛ فمعظم الآراء التي كتبها قال بها غيره، غير أن غيرته على الإسلام، وخوفه من إبرازه في صورة غير لائقة جعلته يخرج عن الحد المطلوب في بعض الأحايين؛ فيصف بعض الآراء الفقهية بأنها فقه بدوي، أو أن هذه تقاليد عبس وذبيان، أو يصف البعض بالبَلَه، ويصف آخر بالغفلة أو الحماقة، وغير ذلك.

ومع هذا فقد كان الشيخ سريع الدمعة، فربما قرأ آية من كتاب الله أثرت في مسيرته، أو حديثًا نبويًّا يرشده إلى تغيير سلوكه، أو بيتًا من الشعر تُمَجَّد فيه حضارة الإسلام، فيكاد يبكي على ما ضاع من حضارة الإسلام.
وقد كان الشيخ الغزالي مقدرا لعلماء الأمة، ينهل من كل ما يراه خيرًا، ويكاد يُجَنُّ حين يسمع مَن لا فقه له ولا علم يطعن في أحد الأئمة!!
فكان يرى أن عدم احترامنا لعلمائنا من دعائم سقوط حضارتنا، ويشيد بأن الأمم الأخرى تحترم أصحاب نظريات فارغة.. فما بالنا لا نحترم سادة الأمة من العلماء؟!
ومع اختلافه في بعض الآراء مع بعض العلماء، فإنه كان يُنزل كل إمام منزلته، ويعطيه قدره الذي يستحقه، فيقول: "مع أني أميل أحيانًا إلى الفقه الحنفي، فإني جانح بفؤادي وإعجابي إلى الشافعي وهو يقول عن علمه: وددت لو انتشر هذا العلم دون أن يعرف الناس صاحبه! ليتنا نُرزَق هذا الإخلاص. إن هؤلاء الأئمة الكبار شيوخنا جميعًا عن جدارة، والبحث العلمي بصوابه وخطئه لا يعكر ما يجب للعلماء من توقير".

ولم يكن تقدير الشيخ الغزالي موقوفًا على أئمة الشرع الحنيف، بل هو يقدر كل إمام في فنه، ولا يعني تقديره له أنه يسلم له الزمام في كل شيء، غير أن نقده له لا يجعله يبخس حقه؛ فيقول الشيخ الغزالي: "اطلعت على مجلة أحبها، فقرأت فيها لَمْزًا للأديب الحر المصلح عبد الرحمن الكواكبي، وتفسيقًا لرجلين من بناة النهضة الإسلامية الحديثة، وأنا أحد تلامذة المنار وشيخها محمد رشيد، وأستاذه الشيخ محمد عبده. وأنا أعرف أن المتنبي -غفر الله له- كان يحب المال إلى حد البخل، ويحب الإمارة إلى حد الجنون، ومع ذلك أطرب لشعره، وأستجيده وأستزيده، وإذا لم يكن أميرًا لشعراء العرب؛ فهو من قممهم.

إنني لا أجعل عيبًا ما يغطي مواهب العبقري، ثم لحساب مَنْ أهدم تاريخنا الأدبي والديني؟! ولمصلحة مَن أشتم اليوم علماء لهم في خدمة الإسلام وكبت أعدائه كفاح مقدور؟! ومَن يبقي مِنْ رجالنا إذا أخذت تاريخ الشيخين أبي بكر وعمر مِنْ أفواه غلاة الشيعة، وتاريخ علي بن أبي طالب من أفواه الخوارج، وتاريخ أبي حنيفة من أفواه الإخباريين، وتاريخ ابن تيمية من ابن بطوطة وابن فلان، وتاريخ محمد بن عبد الوهاب من أفواه الترك...".

** صاحب الجهاد بالكلمة والقلم
كذلك كانت الحالة السياسية والاجتماعية التي عاشها الشيخ الغزالي توجب عليه أن يكون صاحب الجهاد بالكلمة والقلم، وكل ما يمكن فعله من أنواع للجهاد ممكنة؛ فقد كان يحرك الشعوب لرفع الظلم عن نفسها، وأن تسعى إلى إزالة الفساد عن أوطانها، وأن تدافع عن الوطن المغتصب، وقد كانت رؤيته للحكام الذين تربعوا على عرش مصر خاصة والعالم العربي عامة تتصف بالوضوح الشديد، وعدم المواربة أو المداهنة؛ فيصف كل إنسان بما يستحق من مدح أو ذم.
وكان مجاهدًا للنظام الشيوعي، ساعيًا لإقصائه عن حياة المسلمين، فكتب "الإسلام والزحف الأحمر" في وقت محنة عصيبة، ويحكي عن ذلك فيقول: "ولا بأس أن أقصَّ محنة مرت بي؛ فقد ألفت كتابي: الإسلام في وجه الزحف الأحمر خلال أيام عصيبة، كان صوت الشيوعية عاليًا، وكان السلطان معها، وكان التجهم لها خرابًا للبيت، وطريقًا إلى السجن.
ونظرت إلى صحائف الكتاب في يدي قبل أن أدفع به إلى مطبعة بعيدة، وقلت: ربما كان موتي في هذا الكتاب! ولكن نفسي قالت لي: بئست الحياة أن تبقى بعد أن يموت دينك، فمضيت في طبع الكتاب، وليكن ما يكون!".

ولما حاول الرئيس جمال عبد الناصر أن يمحو من الدستور كون مصر دولة إسلامية، وقف الشيخ الغزالي والشيخ أبو زهرة -رحمهما الله- كأسدين هصورين ضد هذا الخَبَل، وكان لهما ما أرادا؛ مِنْ أن تظل مصر دولة إسلامية.
كذلك في عهد الرئيس السادات عندما أراد تغيير قوانين الأحوال الشخصية، وتقييد تعدد الزوجات، فقام الشيخ يخطب منددًا بهذا المشروع، وقامت الجماهير بمظاهرات تطالب بإلغاء هذا القانون، وقد كان لهم ما أرادوا[2].

** الشيخ محمد الغزالى يتحدث عن جمال عبد الناصر:
و الحق أنى حائر فى فهم جمال عبد الناصر، لقد كنت كما يعلم الناس من جماعة الإخوان المسلمين، وأقرر أن جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين بايعا فى ليلة واحدة على نصرة الإسلام ورفع لوائه، و قد كنت قريبا من مشهد مثير وقف فيه جمال عبد الناصر أمام قبر حسن البنا يقول:
نحن على العهد وسنستأنف المسيرة، كان ذلك عقب قيام الثورة بأشهر قلائل.
وقد وضع كتّاب مسلمون كبار مقدمات للرسائل التى كانت تصدر تحت عنوان: ((اخترنا لك)) أمضاها جمال عبد الناصر وفيها أشرف ما يؤكده زعيم مسلم نحو أمته ودينه.
لا أدرى ما حدث بعد ذلك..
إنه تغير رهيب فى فكر الرجل وسيرته جعله فى كل نزاع بين الإسلام وطرف آخر ينضم إلى الطرف الآخر:
- انضم إلى الهند فى خصومتها المرة ضد باكستان المسلمة.
- انضم إلى الحبشة فى عدوانها الصارخ على اريتريا.
- انضم إلى تنجانيقا وأغضى عن المذبحة الشنعاء التى أوقعتها بشعب زنجبار المسلم، ورحب أحرّ ترحيب بنيريرى الذى يتظاهر بالاشتراكية، وهو قسيس كاثوليكى!!
- انضم إلى القبارصة اليونان فى نزاعهم مع القبارصة المسلمين، وجعل الأزهر يستقبل ((مكاريوس)) عدو الكيان الإسلامى للأتراك.
-كان أسدا هصورا فى قتال اليمن، وحملا وديعا فى قتال اليهود حتى جعل اليهود - و هم أحقر مقاتلين فى العالم - يزعمون أنهم لا يُقهرون فى حرب!!
"سريع إلى ابن العم يلطم خده... وليس إلى داعى الندى بسريع!"

- و لقد ساند ((البعث العربى)) الحاقد على الإسلام، ورفض مساندة أى تجمع إسلامى، واخترع حكاية القومية العربية لتكون بديلا عن العقيدة الإسلامية.. !!
ومن الإنصاف أن نقول أن عددا من رجال الثورة لم يكونوا راضين عن هذا الاتجاه الخاطئ.

لكن استنقاذ مصر مما ألم بها فى الماضى يحتاج إلى جهود مضاعفة خصوصا بعد أن تحركت تيارات عديدة مناوئة للإسلام وظفرت بمكاسب ذات بال، من كتاب قذائف الحق إن الشعوب العربية لابد أن تلعن عبد الناصر فهو الذى ابتلاهم بهؤلاء الزعماء القذافى وصدام حسين وحافظ الأسد وياسر عرفات وجعفر نميرى كل هؤلاء تلاميذه وحظوا بدعمه وتأييده.
هو من قام بإلغاء المحاكم الشرعية، ونشر الاحتكام للقوانين الوضعية، وحول القضية الفلسطينية قضية القدس من إسلامية إلى عربية يقول أحد اليهود لقد نجحنا فى تحويل قضية القدس من إسلامية عالمية إلى عربية شرق أوسطية ثم إلى قومية إقليمية ثم إلى قضية الشعب الفلسطينى.
بل إن ما حدث فى البوسنة الهرسك وما حدث فى ليبيا والعراق وما يحدث الآن فى سوريا فى رقبة هذا الطاغية عدو الإسلام والمسلمين.

إسهامات الغزالي في خدمة الإسلام
باستقرائنا لكتابات الشيخ محمد الغزالي يمكننا أن نضع أيدينا على أهم المرتكزات التي تدور حولها طريقته الإصلاحية، وينطلق منها منهجه الدعوي؛ وكان التدرج والتركيز على الكليات أولى هذه المرتكزات، واستدل الغزالي على ذلك بأن القرآن الكريم لم يفرض الشعائر والفرائض مرة واحدة، إنما فرضها فريضةً فريضة مع مراعاة الوقت التي تفرض فيه، ثم التدرج في الفريضة نفسها، والأمر في المحرمات سواء بسواء.
كما أن هذا الأمر واضح غاية الوضوح في سيرة الرسول وفي منهجه الدعوي، فلا يخفى على أحد أن النبي مكث في مكة ثلاثة عشر عامًا يربي أصحابه على الأصول والكليات، وظل القرآن يتنزل عليه موجِّهًا الجماعة المسلمة الوليدة إلى الإيمان بالله -تعالى- واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وأصول الأخلاق وأساسيات السلوك ومبادئ المعاملات؛ فنجده في كتابه "فقه السيرة" يلخص دعوة النبي في بدايتها تحت عنوان "إلامَ يدعو الناس؟"، فيقول: "وسور القرآن الذي نزل بمكة تبين العقائد والأعمال التي كلف بها عباده وأوصى رسوله أن يتعهد قيامها ونماءها، وأول ذلك:
1- الوحدانية المطلقة.
2- الدار الآخرة.
3- تزكية النفس.
4- حفظ الجماعة المسلمة باعتبارها وحدة متماسكة تقوم على الأخوة والتعاون".

ثم يأتي عدم تهويل التوافه أو تهوين العظائم كثاني أهم المرتكزات التي يقوم عليها المنهج الدعوي للشيخ محمد الغزالي؛ لأن منهج الإسلام الوسطي لا يغالي أو يقصر، ولا يُفْرط أو يُفَرِّط، إنما هو بين المقصِّر والمغالي، وبين الموغل فيه والجافي عنه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143].
فكان يغضب أشد الغضب إذا سمع بفُرقة بين المسلمين، وكان يتغير لون وجهه إذا سمع باتجاه في المجتمع يجنح إلى الغلو والتنطع ويهمل مقاصد الإسلام؛ فكانت التوافه عنده في مكانها، كما كانت العظائم في مكانها ومكانتها.

وما أكثر ما عانت الدعوة الإسلامية المعاصرة من أمراض مهلكة تتورم فيها بعض التعاليم وينكمش بعض آخر؛ فتصبح العادة عبادة، والنافلة فريضة، والشكل موضوعًا، ومن ثَمَّ يضطرب علاج الأمور، وتصاب الدعوة بهزائم شديدة.
وما أطول ما عانى داعيتنا الكبير من هذه الطرائق في الفهم! وما أكثر ما تحسر لها واحْتَدَّ كذلك حرص الشيخ الغزالي على الاختلاط بالناس ومراعاة أحوال السائلين كمرتكز لمنهجه الدعوي؛ فكان يرى اعتزال الداعية عن الناس في ظل ما يحياه الإسلام من محنة جريمةً نكراء وكبيرة من الكبائر، وكان يعده "فرارًا من الزحف ونكوصًا عن الجهاد"[3].

إلى جانب مراعاته لتجنب الجدل والنقاشات الحادة؛ فالجدل قرين الضلال، وما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، وكان يرى أنه لا يجوز لأمة تُؤكَل من يمين وشمال وتَنْهش فيها الذئاب من كل جانب أن تشغل نفسها بالجدل والخوض في الخلافيات والنقاشات الحادة، وإذا كانت قاعدة صاحب المنار الذهبية التي تقول: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"؛ فإن العمل بها والأمة على ما نرى ونسمع ألزم وأوجب.
وأخيرًا كانت المرأة تشكل مساحة واسعة من خريطة الفكر لدى الشيخ الغزالي، حتى أفرد لها كتابًا كاملاً أسماه "قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة"، ولا غرو فأول من آمن على الإطلاق امرأة، وأول شهيدة في الإسلام امرأة، وقد شهدت المرأة بيعة العقبة الكبرى، ودافعت أشرف دفاع عن الرسول في معاركه المختلفة، وقاتلت قتال الأبطال في البر والبحر.
فكان التلطف مع الإناث والرفق بهن -عند الشيخ- آية اكتمال الرجولة ونماء فضائلها، وهو أدب يبذل للنساء عامة سواء كن قريبات أم غريبات، كبيرات أم صغيرات، ومع استقامة الفطرة الإنسانية قلما يتخلف هذا المسلك العالي.
والنساء -في فكره رحمه الله- مكلفات مثل الرجال، وما من شيء يقوم به الإسلام وتعتز به أمته كلف به مسلم إلا كلفت المسلمة بمثله، غير أمور محصورات استثنيت النساء منها، ولا تهدم أصل المساواة في التكاليف الشرعية[4].

كتب محمد الغزالي
كتب محمد الغزالي وقد أثرى الشيخ محمد الغزالي[5] المكتبة الإسلامية بالعديد والعديد من الكتب التي ما زلنا ننتفع بها حتى يومنا هذا، وستظل بإذن الله منارة تهدي العصاة إلى الطريق القويم، وتضيء للدعاة والمصلحين السبيل ليفهموا دينهم فهمًا صحيحًا، ويعملوا لرفعته على بصيرة، ونذكر من هذه المؤلفات:

1- من هنا نعلم.

2- تأملات في الدين والحياة.

3- خلق المسلم.

4- عقيدة المسلم.

5- فقه السيرة.

6- في موكب الدعاة.

7- جدد حياتك.

8- ليس من الإسلام.

9- الاستعمار أحقاد وأطماع.

10- نظرات في القرآن.

11- كفاح دين.

12- هذا ديننا.

13- الجانب العاطفي من الإسلام.

14- قذائف الحق.

15- الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر.

16- فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء.

17- دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين.

18- هموم داعية.

19- الطريق من هنا.

20- الحق المر.

21- المحاور الخمسة للقرآن الكريم.

22- كيف نتعامل مع القرآن الكريم.

23- صيحة تحذير من دعاة التنصير.

24- نحو تفسير موضوعي للقرآن الكريم.

25- كنوز من السنة.

26- الإسلام والاستبداد السياسي.

27- مستقبل الإسلام خارج أرضه.

الغزالي في عيون العلماء المعاصرين
كُتبت عن الشيخ الغزالي عدة أعمال وأطروحات جامعية، من بينها أطروحة (الشيخ محمد الغزالي مفكرا وداعية) للباحث الجزائري إبراهيم نويري، التي نوقشت بجامعة الأمير عبد القادر، سنة 1999م. كما ألفت عنه مؤلفات كثيرة أشهرها كتاب (مع الشيخ الغزالي ـ رحلة نصف قرن) للدكتور يوسف القرضاوي ؛ وكتاب (الشيخ الغزالي.. الموقع الفكري والمعارك الفكرية) للدكتور محمد عمارة..
قال الدكتور يوسف القرضاوي في نهاية كتابه عن الشيخ محمد الغزالي: "والحق أن هذه الدراسة أثبتت أننا أمام قائد كبير من قادة الفكر والتوجيه، وإمام فذّ من أئمة الفكر والدعوة والتجديد، بل نحن أمام مدرسة متكاملة متميزة من مدارس الدعوة والفكر والإصلاح"[6].
ويقول الدكتور عبد الصبور شاهين وهو يقدم لخطب الشيخ الغزالي: "والحق أن كتابًا يوضع على غلافه اسم الأستاذ الغزالي لا يحتاج إلى تقديم؛ فحسبه في تقديري أن يُتوَّج بهذا العلم الخفاق، وقد قرأَتِ الدنيا له عشرات الكتب في الإسلام ودعوته، وتلقت عنه ما لم تتلقَّ عن أحد من معاصريه، حتى إن عصرنا هذا يمكن أن يطلق عليه في مجال الدعوة: عصر الأستاذ الغزالي".
أما المفكر الدكتور محمد عمارة فيقول عنه: "لقد أدركت -وأنا الذي سبق ودرست الآثار الفكرية لأكثر من ثلاثين من أعلام الفكر الإسلامي، وكتبت عنهم الكتب والدراسات- أدركت أنني حيال الشيخ الغزالي لست بإزاء مجرد داعية متميز، أو عالم من جيل الأساتذة العظام، أو مؤلف غزير الإنتاج، أو مفكر متعدد الاهتمامات، أو واحد من العاملين على تجديد فكر الإسلام لتتجدد به حياة المسلمين.. أدركت أنني بإزاء جميع ذلك، وأكثر منه وأهم"[7].

وفاته

وفي 20 شوال 1416هـ الموافق 9 مارس 1996م توفي الشيخ الجليل محمد الغزالي، حيث كان في المملكة العربية السعودية يشارك في مؤتمر حول الإسلام وتحديات العصر، فتأتي آخر لحظة في حياته وهو يواصل دعوته إلى الله، ويوضح حقيقة الإسلام، ويذب عنه، ويدفن في البقيع بالمدينة المنورة، بجوار الحبيب محمد وصحابته الكرام، كما تمنى طوال عمره، وصرّح كثيرًا بهذه الأمنية.
[1] أحمد تمام: الغزالي.. فارس الدعوة البليغ - إسلام أون لاين.
[2] مسعود صبري: الغزالي.. قلب رقيق ولسان بالحق طليق - إسلام أون لاين.
[3] محمد الغزالي: الحق المر، مكتبة التراث، ص118.
[4] وصفي عاشور أبو زيد: من ملامح المنهج الدعوي عند الغزالي - إسلام أون لاين.
[5] روابط مفيدة عن الشيخ محمد الغزالي، موقع لتراث فضيلة الشيخ محمد الغزالي، وموقع آخر لفضيلة الشيخ محمد الغزالي.
[6] يوسف القرضاوي: الشيخ الغزالي كما عرفته رحلة نصف قرن، دار الشروق، ط1، ص259.
[7] محمد عمارة: الشيخ محمد الغزالي الموقع الفكري والمعارك الفكرية - الهيئة المصرية العامة للكتاب. 1992، ص24.






نيوز سنتر - عماد الطواشي
بورتريه







المركز السوري للأخبار والدراسات


التعليقات

- السعي : سني من ايران

بارك الله فيكم علي نشر الحق


أضف تعليق