الشيخ سعيد حوى: العالم المناضل الذي لم يرضخ لجبروت الأسد وجعل من السجن مدرسة

علامة بارزة في تاريخ سوريا ومثال العالم المجاهد قولاً وعملاً وتأليفاً وتنظيماً

الشيخ سعيد حوى: العالم المناضل الذي لم يرضخ لجبروت الأسد وجعل من السجن مدرسة
plain text طباعة أرسل إلى صديق
نيوز سنتر

يعتبر الشيخ سعيد حوى علما  شامخا بين العلماء ، في التفسير والحديث والفقه والبيان والدعوة إلى الله سبحانه ، لم تر العيون مثله في صفاء عقيدته وثبات جأشه وتوكله على ربه وإخلاصه في دعوته وثقته بقينه .

 كان حوى من العلماء العاملين الصادقين الذين كرسوا حياتهم للدعوة إلى الله سبحانه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وحذروا الأمة من نظام الأسد الأب ، ممن راموا الكيد للعروبة والإسلام ، وصرفهما عن مقاصدهما وأهدافها النبيلة، ولم يمنعه مرضه العضال الذي ألم به في سنوات عمره الأخيرة من مواصلة جهاده المبارك .

أولا : – نسب الشيخ سعيد
هو الشيخ سعيد بن محمد ديب حوى ، يرجع نسبه كما حكي عن نفسه إلى آل البيت ، حدثه بذلك أحد أقاربه وسمع ذلك عن كثير من كبار أسرته، يقول الشيخ سعيد : [ تصل أسرتي بنسب إلى أسرة أخرى في الحي هي أسرة - برى - ورواية الأسرتين تتضافر على أن ثلاثة أخوة أصولهم عربية وفدوا إلى حماة وقطنوا فيها ، ومنهم تفرعت الأسرتان ، وتتضافر روايتا كبار الأسرتين على أننا من آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وقد حدثني - حاج محمود برى - ولا زال حيا أثناء كتابة هذه السطور - أنه ورث في أوراق أسرته شجرة النسب ، وأن نسب الأسرة ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتلك رواية أسرتنا ، والجميع مجمعون على أن نسبينا واحد ] .

ويقول الشيخ سعيد مؤكدا ما ذكره آنفا : [ وقد حدثني الوالد أننا ننسب إلى قبيلة النعيم المشهورة وهي قبيلة ينتهي نسبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو مشهور ، ولم تتح لي فرصة التحقق من هذه الروايات والناس مصدقون بأنسابهم ، وأما أسرة والدتي فتنسب إلى عشيرة الموالى ، وهي عشيرة مشهورة تسكن بادية الشام كما حدثني بذلك ابن خالة لي نقلا عن والده ]) .

ثانيا : مولده ونشأته وتربيته وتعليمه
- ولد الشيخ سعيد في حماة بتاريخ 27 سبتمبر1935 مالموافق 26 جمادى الثاني 1354هـ في حي العليليات جنوب حماة ، بسوريا

- عاش في كنف والده ، وهو مرب من خيرة الرجال الشجعان المجاهدين ضد الفرنسيين وتوفيت والدته وهو في السنة الثانية من عمره وتربى في كنف جدته ، وكانت مربية فاضلة يحبها وتحبه .

وكان لها دور عظيم في تربيته، وكان شديد التعلق بها كما كانت تفيض عليه من حبها وعطفها ،أما والده فلقد كان له أثر فعال على شخصيته ؛ فلقد عوده على المسئولية من صغره ، وعلى تحمل التبعات ، وغرس فيه حب التضحية ، والمروءة ، والصدق ، والوفاء ، والكثير من المعاني السامية التي تحلى بها الشيخ سعيد وأثرت عنه ،

يقول عن أبيه:[ أعتبر والدي مربيا ناجحا فهو يمتلك قدرة عجيبة على غرس المعاني التي يريدها في نفوس أبنائه كما أنه قادر على أن يحملهم على ما يريد ] .

* دخل الشيخ سعيد المدرسة مبكرا ، ولكنه سرعان ما خرج منها وهو في الثامنة من عمره ؛ أخرجه والده لأنه لا يستطيع الإنفاق عليه، ولأنه كان بحاجة إلى مساعدته في عمله في سوق الخضار كبائع بالجملة ،ولكن عمله في التجارة لم يشغله عن القراءة والاطلاع ، إلى أن عاد مرة ثانية إلى المدرسة ؛ ليحصل على الشهادة الابتدائية .

- حفظ القرآن الكريم مبكرا وراجعه على كثير من القراء في حماة حتى أتقنه حفظا وتلاوة ، ولم ينقطع عن العمل مع والده فيسوق الخضار في مهنته كبائع بالجملة ، بل إنه مارس مع والده نشاطا آخر وهو الزراعة .

يتحدث الشيخ سعيد عن هذا الأمر فيقول : (في هذه الفترة – المرحلة الثانوية من الثامنة عشرة إلى العشرين )- دخل في عملي الحياتي مهنة أخرى وهي مهنة الزراعة وهكذا أصبحت أشارك في عملين حياتيين مع والدي : حرفته في سوق الهال – أي في سوق

البيع بالجملة- وحرفته في الزراعة ؛ فقد ارتفع سعر القطن في سوريا ارتفاعا أغرى الكثيرين بالزراعة عامة ، وبزراعة القطن خاصة …….. المهم أن الوالد اندفع في هذا الموضوع واستأجر أرضا قريبة من حماة ……..وشاركت في العمل على مدى سنتين وكان لذلك فائدته الكبيرة ] .

*نذكر هذا لنؤكد أن هذه الأعمال لم تشغل الشيخ سعيد عن رسالته السامية ؛ فلقد جمع بين تلك الأعمال وبين الدراسة النظامية وبين مدارسة العلماء وملازمتهم في حماة ، إلى جانب إطلاعاته المتنوعة وقراءاته المتوسعة ، إلى جانب مراقبته للأحداث الجارية في سوريا عن كثب ومتابعته للأحداث الواقعة في حماة عن قرب التي قام بها حافظ الأسد ، ومن يقرأ في كتابه هذه تجربتي خصوصا وفي كتبه عموما ويرى كيف تناول الشيخ سعيد هذه الأحداث التي عاصرها وشاهدها وكيف يعقب عليها بقلمه السيال وبعقله الحاضر لأدرك تفاعله مع الأحداث وتعايشه فيها واهتمامه لما يجرى للمسلمين ليس في سوريا فقط وإنما في كل مكان 0

*عاصر في شبابه أفكار الاشتراكيين والقوميين والبعثيين والإخوان وانضم إلى جماعة الإخوان 1952 م الموافق 1372هـ وهو في الصف الأول الثانوى

- لقد تعددت موارد الشيخ سعيد حوى وكثرت مناهله ، فاستفاد من المطالعة ، ومن الدراسة النظامية ، ولازم الشيوخ ، وتابع حلقاتهم العلمية ، وانخرط في صفوف الإخوان وفي ذلك يقول : عن المرحلة الثانوية : [ بقيت مطالعتي في هذه المرحلة كثيرة ، ولكن المعلم الضخم في حياتي هو دخولي في ( الإخوان المسلمين ) أواخر العام الدراسي وأنا في الصف الأول الثانوي ] .
- وجمع الشيخ سعيد حوى بين الأخذ من التصوف متجنبا ما شابه من انحرافات وشطحات

- كما نهل من معين السلف الصالح حتى ارتوى فروى .

* هذه صورة من حياة الشيخ ، والمؤثرات من حوله .

وبهذه الصورة السالفة الذكر، وبتلك المؤثرات تكونت شخصية الشيخ سعيد فجمع بين حب العلم والحرص عليه وبين الاهتمام بأحوال المسلمين والسعي وراء وحدتهم ، وقوتهم .

ثالثا : مرحلة مابعد الجامعة
- تخرج الشيخ سعيد من جامعة دمشق – وحصل على الإجازة العالية من كلية الشريعة 1961 م1381 هـ ودخل الخدمة العسكرية 1963 م1383 هـ وتزوج 1964 م1384 هـ ورزق بأربعة أولاد هم محمد أحمد ومعاذ وشقيقتهم الرابعة وذهب الشيخ سعيد إلى السعودية فقضى هناك خمس سنوات ( 1966 م: 1971 م- 1386 هـ 1391 هـ ) وفيها ألف (الأصول الثلاثة ) ، ( وجند الله ثقافة وأخلاقا) ، وقام بإلقاء المحاضرات هناك في المعاهد العلمية والجامعات وفي المدارس والمنتديات فكان لها صدى واسع 0


رابعا * أحداث الدستور
وشارك الشيخ سعيد مشاركة رئيسة وفعالة في أحداث الدستور1973 م1393 هـ
وأراد حافظ الأسد بهذا الدستور إلى فرض النظام العلماني على سوريا وما يستلزمه ذلك من تبعات على الفرد والمجتمع والنظام…
* قرأ الشيخ سعيد موضوعات – الدستور ، فقرر انه يجب العمل لوقف هذا الدستور ، ولكن ماذا يفعل وسط هذا الخضم الهائل والتيار الجارف ؟
لقد أدرك بفطنته وخبرته أن كلمة العلماء في هذا الموقف سيكون لها صداها في أجواء سوريا ، وسيقع رنينها في كيان كل مسلم ، ومن هنا كان توجهه إلى العلماء ، حيث قام بجهود واسعة في جمع كلمة العلماء في سوريا ضد الدستور وتحرك العلماء في حماة وحمص وحلب ودمشق وسائر البلاد فتحرك الشعب معهم ، ضد هذا الدستور الذي كان يسعى إلى فرض النظام العلماني يقول الشيخ سعيد [ والحق أقول : أنه لولا أحداث الدستور لحدث هذا كله ، ولكن أحداث الدستور خففت أو أجلت أو ألغت الكثير من هذه التوجهات ] .

خامسا – محنته – … وهجرته

ثم امتحن الشيخ سعيد بالسجن فاعتقل خمس سنوات من التاسعة والثلاثين إلى الثالثة والأربعين من عمره (1973 م:1978 م- 1393 هـ : 1398 هـ ) بسبب أحداث الدستور ورغم ما عانه في سجنه وما لاقاه إلا أنه كان صامدا صمود المجاهدين ، والسجن محنة الصابرين ؛ ولقد ابتلى الكثير من العلماء والمخلصين في القديم والحديث بهذه المحنة فما ضعفوا وما استكانوا والله يجب الصابرين، وقديما سجن الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية وغيرهم فكان لهم من الضيق فرج ومن الانقطاع عن الخلق اتصال بالحق .

ويحضرني في هذا المقام قول البحتري يخاطب محبوسا :

وما هذه الأيـــام إلا منــازل فمن منزل رحب إلى منزل ضنك

وقد داهمتك الحادثــات وإنما صفا الذهب الإبــريز قبــلك بالسبك

أما في نبي الله يوسف أسوة لمثلك محبوس عن الظــلم والإفك؟

أقام جميل الصبر في السجن برهة فآل به الصبر الجميل إلى الملك

لقد كان لهذا السجن آفاقه الواسعة وثمراته اليانعة في حياة الشيخ سعيد وفكره وعن ذلك يقول [ أتيحت لي فرصة التأمل الواسع في القرآن فتيقنت من نظريتي في الوحدة القرآنية ، التي بنيت عليها تفسيري فيما بعد ] .

وكما فتح الله عليه في السجن ، فقد جعل من السجن مدرسة يدرس فيها العلوم الشرعية واللغوية ، فاستفاد وأفاد .

- وبعد خمس سنوات قضاها الشيخ في السجن خرج بعد ذلك ليواصل عطاءه ويستمر في دعوته وبعد شهرين من خروجه من السجن كان سفره إلى الأردن حيث استقر فيها إلى آخر حياته .

- يحكي الشيخ سعيد لنا – عن هذه الأحداث

فيقول: ومن عجائب الرؤى أنه في يوم سفري جاءني أخي الشهيد محمود رحمه الله على أثر رؤيا رآها ، قال لي : رأيت في المنام أننا في جلسة تضم عددا من الناس ، وأن شيخا اتجه إليك وقال : ( عمّان سهل لك أو سهب لك ) ،عجبت من هذه الرؤيا ولم أفهمها وقتذاك ،ومن قبل ونحن في السجن رأى أحد الإخوة – وهو أخ دمشقي صالح يحفظ كتاب الله – في المنام أنني أتحدث من التليفزيون الأردني وأنا ألبس عمامتي وجبتي ، وكان قدر الله كما سنرى أن تكون عمان هي وطن الإقامة ] .

00خرج الشيخ سعيد من سوريا ، خرج من وطنه الذي فيه نشأ وترعرع وأزهر وأينع بسبب الظلم الذي حاق به من نظام الأسد الأب.

سادسا* رحلاته

-حاضر الشيخ سعيد وخطب في كثير من الدول العربية والإسلامية والأجنبية ومنها سوريا والسعودية والكويت والإمارات والعراق والأردن ومصر والباكستان وأمريكا وألمانيا .

سابعا *مرضه ، ووفاته

- دخل العزلة الاضطرارية بتاريخ 14/3/ 1987 – 24 رجب 1408 هـ

بسبب إصابته بشلل جزئي إضافة لأمراض أخرى .
تم دخل في الغيبوبة من تاريخ 14/ 12/ 1988م إلى 9 آذار1989 وتوفي رحمه الله يوم الخميس الموافق 9 آذار 1989 الموافق 1شعبان 1409 هـ رحمه الله رحمة واسعة .
- وخرج الموكب المهيب من جامع الفيحاء على الأكف قد تعلقت به الأبصار والأرواح يقطع شوارع عمان ، وإذا بالجموع تتجه نحو المقبرة من كل حدب وصوب من بقية المساجد ، ويتحول هذا المشهد المهيب إلى منتدى فكرى يتبارى فيه العلماء بأجمل الكلمات ويجود فيه الشعراء بأعذب الأبيات .
ولا يسعنا في هذا المقام سوى أن ننقل جانبا من هذه الكلمات والقصائد التي قيلت على قبره والتي وردت في الصحف والمجلات العربية والإسلامية ،
ولأنني اجتهدت في العثور عليها ، وأنفقت وقتا غاليا في الحصول عليها فأجدنى مدفوعا إلى سرد كل ما وقع بين يدي وإلى نقل ما لدى 0
ولكن نظرا لطبيعة البحث فلسوف أتخير منها ما لا يخرجنا عن واقعية الدراسة وعن حدودها .

ولقد كان لوفاة الشيخ سعيد صداه الواسع ليس في الأردن أو في سوريا وحدها ولكن في جميع الدول العربية والإسلامية ،
ومن أعظم العبارات التي كان لها صدى في نفسي ما قاله ابنه محمد سعيد عن وفاة أبيه الشيخ سعيد حوى يقول محمد سعيد : ( كل الناس يموتون لكن فقد العالم المفكر أو قع في النفس ، وفقد القادة أبلغ في الأثر ، وفقد المربى أكثر عبرة وأدعى للحزن ، وفقد الأب أدعى لمشاعر الألم والعبرات .. فهو الحاني وهو الموجه والمسدد والمنقذ بعد الله ، وفقد الابن فاجعة لا تعدلها فاجعة فهو فلذة الكبد وسويداء القلب وحشاشته ، وفقد الأخ فقد للسند والظهير، وإذا كان الأمر كذلك فان فقد الشيخ سعيد فقد للعالم والمفكر والقائد والمربى والأب والابن والأخ……) .

وفي مجلة البلاغ الكويتية يتابع الشيخ سعيد حوى حديثه عن أبيه فيقول إجابة عن السؤال الذي وجه إليه الصحفي الذي أجرى معه الحوار : ماذا يعنى لك سعيد حوى ؟

فأجاب :( إنه يعنى الشيء الكثير .. الكثير ، فهو الأب المربى الحكيم في تربيته ، الحازم في تأديبه ، العطوف في نصحه ، العالم العامل ، مسدد الخطى ومزيل الحيرة والالتباس ، شمس مشرقة في عالم أرضى ، ونور وضاء في أفق عقلي وروح وريحان في سويداء قلبي هو فارس السماحة والجود ، وفيؤنا عند الشدائد والصعاب رحمه الله ] .

وفي مجلة الوطن العربى تحت عنوان ( الشيخ سعيد حوى العالم المناضل ) في هذا المقال عرض مجمل وتحليل موجز لحياة الشيخ سعيد ، يقول المحرر:

[ ..... العلامة الشيخ سعيد حوى الذي توفي مؤخرا عن خمسة وخمسين عاما كان علامة بارزة في تاريخ سوريا الحديث رغم أن الموت لم يمهله طويلا ، وكان مثل العالم المجاهد قولا وعملا وتأليفا وتنظيما ] .

وفي مجلة اللواء الأردنية كتب الشيخ عذاب محمود الحمش : [ كانت وفاة الشيخ سعيد حوى ثلما في الحركة الإسلامية ، نسأل الله أن يقيض من يسدها وقد كانت مناسبة أجبرت الخلائق على الاجتماع والالتقاء والاستماع وعرض وجهات النظر وكانت كلمات العزاء وكلمات الرثاء ] .

وفي صحفية الصحوة اليمنية . كانت كلمة الصدق والوفاء لهذا العالم المجاهد ، وفي مستهلها قال الكاتب هذه العبارات :
[ إذا عد الرجال في سوريا كان الشيخ سعيد حوى رحمه الله في طليعة هؤلاء الرجال ، وإذا عد العلماء في العالم الإسلامي اليوم كان رحمه الله من ذروة هؤلاء العلماء . وإذا عد المجاهدون لإعلاء كلمة الله في هذا الزمان كان الشيخ سعيد رحمه الله أحد هؤلاء ...... ]






نيوز سنتر - إعداد أحمـد بن محمد الشرقاوى
أستاذ التفسير المشارك بجامعة الأزهر
بورتريه







المركز السوري للأخبار والدراسات


التعليقات

- ما يطرح من تفسير في الوقت الحالي : دعاء النجادا

يجب طرح جهود الشيخ في مواجهة العلمانية في الوقت الحاضر


أضف تعليق